منار الرشواني

لماذا يتظاهر السوريون؟!

تم نشره في الخميس 23 شباط / فبراير 2012. 02:00 صباحاً

بعد قرابة عام على انطلاق الثورة السورية، قد يبدو السؤال السابق غريباً، طريفاً، وحتى غبياً! لكنه ليس كذلك أبداً بالنظر إلى "الإنجاز" الذي انتهت إليه ما سمي "اللجنة الوطنية لإعداد مشروع دستور للجمهورية العربية السورية"، والتي كان الرئيس بشار الأسد قد شكلها لتتويج "مسيرته "الإصلاحية!"، وبما يجعل سورية نموذج المنطقة، بل والعالم أجمع، في الإصلاح، كما كرر وليد المعلم وغيره يوماً.
فبعد ثلاثة أشهر من المداولات، قرر أعضاء اللجنة التسعة والعشرون أن السوريين لم يقدموا آلاف القتلى طلباً للحرية والكرامة، ولا حتى عمالة وخيانة للصمود والتصدي والمقاومة والممانعة! السوريون، بحسب فقهاء القانون والسياسيين الذين ضمتهم اللجنة، إنما يتظاهرون ويُقتلون ويختفون قسراً ويُعذبون، منذ أحد عشر شهراً، تأييداً للرئيس الأسد وليس لأي سبب آخر. دليل ذلك، أن الاستجابة الوحيدة الضرورية و"المنطقية!"، برأي اللجنة، لما تعيشه سورية منذ آذار الماضي، هو الانتقال بها من مرحلة "الحزب القائد" كما تضمنها الدستور الحالي لعام 1973، إلى مرحلة "الرئيس الخالد" التي يؤكد عليها مشروع الدستور للعام 2012.
فباستثناء التخلص من ذكر "ماموث" حزب البعث، و"ديناصور" الجبهة الوطنية التقدمية، المنقرضين أصلاً منذ سنوات؛ إضافة إلى طرح بعض المفردات القومية والاشتراكية البالية، والتي لم تحمل أي معنى أصلاً منذ وجودها؛ حافظ مشروع الدستور السوري المطروح على الشعب الآن، على كامل السلطة المطلقة لرئيس الجمهورية. فهذا الرئيس ما يزال "غير مسؤول عن الأعمال التي يقوم بها في مباشرة مهامه إلا في حالة الخيانة العظمى"، على الرغم من أنه رئيس السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، ويستطيع التغول على السلطة التشريعية في صميم مهامها وخلال انعقاد مجلس الشعب! ناهيك عن كونه "القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة". وفوق كل ذلك، فإنه "إذا قام خطر جسيم وحال يهدد الوحدة الوطنية أو سلامة واستقلال أرض الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة عن مباشرة مهامها الدستورية لرئيس الجمهورية أن يتخذ الإجراءات السريعة التي تقتضيها هذه الظروف لمواجهة الخطر"، وهو في ذلك لا يخضع لأي قيد أو أو مساءلة، بما في ذلك رقابة "المحكمة الدستورية العليا" التي يسمي هو أعضاءها أصلاً!
ربما يحسب لمشروع الدستور، كما سيزعم البعض، تحديد مدة ولاية الرئيس بسبع سنوات، قابلة للتجديد لمرة واحدة؛ وأن الرئيس الحالي لن يتمكن، بالتالي، من حكم سورية لأكثر من ربع قرن (14 قادمة، إضافة إلى 11 سنة مضت)! لكن حتى هذا الإنجاز المضحك-المبكي يبدو بعيد المنال تماماً. سبب ذلك ليس فقط أن تعديل الدستور في المستقبل قد يستغرق أقل من خمس دقائق، كما حصل في العام 2000 لتغيير الحد الأدنى لسن الرئيس؛ بل أيضاً بسبب أنه، وكما جاء في مشروع الدستور: "إذا حل مجلس الشعب خلال الفترة المحددة لانتخاب رئيس جمهورية جديد يستمر رئيس الجمهورية القائم بممارسة مهامه إلى ما بعد انتهاء انتخاب المجلس الجديد وانعقاده". واستناداً إلى السلطة المطلقة الممنوحة له في حال قيام "خطر جسيم وحال يهدد الوحدة الوطنية..." يستطيع الرئيس أن يعطل مجلس الشعب ليحافظ هو على منصبه "إلى الأبد"!
بعد كل ذلك، لا يكون سؤال "لماذا يتظاهر السوريون؟" غريباً أمام الإجابة الرسمية عنه، وما بني عليها من دستور "جديد"، هو في الحقيقة أقل من "تعديل"؛ هو وصفة لمواصلة الخراب على يد نظام يود مواصلة الاستبداد والفساد "إلى الأبد"!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الدستور (محمود السيد)

    الخميس 23 شباط / فبراير 2012.
    بعد حوالي 9000 شهيد ويتقزم بشار الاسد الاصلاح في دستور يجسد أبدية الرئيس ومن منظور آخر هذا الدستور ما هوالا تنازل من امبراطور الاستبداد للشعب المطالب بأدنى حق له من حقوق الحياة ولكن هل اقتنع الشارع السوري الثائر بهذا الاصلاح المزيف؟
  • »دسـتور أم منفضة غبـار؟ (خالــد الشحــام)

    الخميس 23 شباط / فبراير 2012.
    شكرا لك سيد منار ..............
    منذ متى أصلا كان الحال في كل الدول العربية خارجا عن الموصوف في المقال ؟ لو قدر لعلم البيولوجيا أن يعطي تقييما لأفضل الكائنات مهارة وابداعا في التكيف والتخفي والمراوغة لمسايرة البيئة التي يعيشها لكان الحاكم العربي هو الأول بجدارة وبأعلى استحقاق ، الرئيس السوري المسكين هو أحد عاثري الحظ الذين اضطرتهم الظروف والملابسات لكشف قناع الحكمة والعقلانية والرجوع إلى الأصل ولكن في الأصل كلهم في الإيمان والعقيدة شرق وليس هو إلا غيضا من فيض، واحدة من المشاكل التي تضاف إلى رصيد الأعباء في الحكم العربي أن كل منهم مضطر لتمثيل دور ( الدولة ) بمعنى أن صورته عالمية خارجية وليست داخلية وإلا لكانت القصة مختلفة تماما ، فلذلك من المنطقي أن يدعي وجود دستور ثابت ويتمسك بالبروتوكولات الدولية والشكليات التي تظهره مسايرا لركب الحضارة ومن الطبيعي أيضا أن تكون هذه القوانين والدساتير التي استخرجتها أجيال بشرية قبله عرضة للاستعمال كممسحة أو منفضة غبار في اللحظة الحاسمة ............... يقدم الرئيس السوري في شهوره الأخيرة المتبقية نموذجا أو مثالا منهم بمحاولة جديدة لممارسة دور التكيف والاكثار من المصطلحات القانونية والمراجع الدستورية والكلمات ذات الوقع التحرري كالتعددية والحيادية والشفافية ومحدودية الصلاحية والاستفتاء ، لكن ما قيمة كل ذلك أمام كلمات من مثل القصف ، القتل ، الذبح ، التعذيب ، الوحشية ؟ كل الحيل التي يعيد اخراجها أصبحت بالية ومستهلكة حتى قبل ظهورها ، ما قيمة كل قوانين الديموقراطية ودساتير الدول أمام مذبحة مستمرة تجري على أرضه وبيديه ؟ بعيدا عن كل المظاهر والتقمصات الكاذبة التي يلعبها من منـا يمكن أن يصدق أن نظاما كهذا يمكن أن يستخرج من نفسه اي مظهر يتعلق بالديموقراطية أو القبول بشيء لم يقبله طيله أربعين عاما ؟ فما بالكم بحالة الثقة التي يحملها المواطن السوري الذي يعايش الموت بوجوده ؟ ............ الشيء الوحيد الذي يبدو أن هذا النظام يتقنه بكل الصيغ القانونية والاجرائية هو لعب دور السفاح وليس أي شيء آخر ، فمن لعنات روح الأب المجرم إلى عقلية الابن الذي حفظ العهد تماما تعيد لنا بابا عمرو ذكريات تل الزعتر المحفور في ذاكرة أحمد العربي وتأبى حماة المغتصبة إلا أن تعود في لمسة يديه بما أنها صيغة التركيع و التأديب المفضلة لديه والمولودة بصحبة جيناته ....كل الدساتير والقوانين الحكيمة التي تصوغها أيدي الطغاة والمؤبدون في جهنم تقود إلى نتيجة حتمية واحدة مهما تعددت الصياغات وتفرعت الملحقات : أنا الألهة على الأرض .....ولذلك فمن سنن الطبيعة والبقاء أن الشعوب تقاتل وتثور وتتفجر ومن ضمن ذات السياق فمن الطبيعي أن الشعب السوري يتظاهر!