بوصلة الرأي العام في الأردن

تم نشره في الخميس 9 شباط / فبراير 2012. 02:00 صباحاً

استطلاعات الرأي عادة ما تجس نبض المواطنين في فترة زمنية محددة، ولا تعبرعن مواقف نهائية حيال قضية ما، وتمثل توجهات قابلة للتغيير حسب مقتضيات الظروف. كذلك، فالأسئلة تطرح بشكل غير مثير على المستجوبين، ومختلف عن وضع يكون فيه نقاش وتطوير للمواقف.
لقد تفاجأ بعض الكتاب بما سموه "تفاؤل" الشعب الأردني بالاتجاه العام الذي يسير فيه البلد، وقد يكون تساؤلاً مفهوماً، ولكنه ليس مبرراً للأسباب التالية:
أولاً: نسبة الذين يعتقدون أن الأمور في الأردن تسير في الاتجاه الصحيح في استطلاع المائة اليوم للحكومة كانت 63 %، مسجلة ارتفاعاً بثلاث نقاط عن استطلاع تشكيل حكومة الخصاونة، وفي كل الأحوال لا يعتبر انعطافاً كبيراً بالرأي العام؛ لأن الثلاث نقاط تزيد قليلاً على هامش الخطأ في الاستطلاع (2.5 %).
بالإضافة الى ذلك، إن تقييم سيرالأمور من قبل المواطنين لا يعتمد على ما تقوم به الحكومة فقط، ولكنه يتأثر بكل مدخلات الدولة والمجتمع. فعلى سبيل المثال، فإن الحراك السياسي الذي قام به جلالة الملك، وبخاصة تحديده لخريطة طريق استكمال الإصلاح السياسي لابد وأنه كان أحد المدخلات في قرارات الناس.
ثانياً: أهم الأسباب التي اعتمد عليها المواطنون للإجابة عن أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح كانت بالترتيب: الأمن والاستقرار 35 %، نية الدولة الصادقة في تنفيذ الإصلاحات 21 %، جدية الحكومة في فتح ملفات الفساد 16 %، حكمة جلالة الملك في معالجة الأمور. كل هذه الأسباب وغيرها كانت مدخلات في قرار الناس.
ثالثاً: أعتقد أن المراقب السياسي يستطيع أن يلاحظ أن حدة التوتر في الشارع قد تراجعت عن العام السابق، وبخاصة الحراك السياسي والتظاهرات، بصرف النظر عما إن كان ذلك ضمن تفاهم غير معلن أم لا. وهذا لا يعني بالطبع أن الأزمة السياسية قد انتهت، ولكن التعبير عنها قد تراجع. ولو أن الشارع غاضب جداً لشاهدنا ازدياداً في حدة التظاهرات وليس العكس.
رابعاً: ما يذكره بعض المحللين والكتاب من عدم رضى، عبروا عنه في الاستطلاع، حيث كان من الواضح الفرق بين اتجاهات ومواقف الفاعلين السياسيين وغير الفاعلين سياسياً. إذ جاءت شريحة الكتاب والصحفيين والأحزاب السياسية وعينة الحراك الشبابي الشعبي أكثر تشاؤماً بشأن سير الأمور وأقل إيجابية في تقييم أداء الحكومة.
خامساً: كان جلياً في نتائج هذا الاستطلاع، أن ليس كل النتائج تقيّم الأمور بشكل جيد في القضايا التفصيلية، وأن هناك كتلة بين 30-50 % غير راضية عن أداء الحكومة بصفة عامة أو في بقية القضايا التفصيلية. فقد أظهرت نتائج الاستطلاع في عينة قادة الرأي والعينة الوطنية أن المشكلة الأكثر أهمية هي الوضع الاقتصادي بأبعاده المختلفة. كذلك، فقد ظهر أن تقييم أداء الحكومة متدنٍ بشكل ملحوظ في محافظات الجنوب مقارنة بغيرها. بعبارة أخرى؛ فإن الدخول في تفاصيل نتائج الاستطلاع يظهر تعقيد موقف الرأي العام، ويشير إلى أن في طياته مؤشرات متباينة.
سادساً: أشارت نتائج الاستطلاع في العينة الوطنية وعينة قادة الرأي إلى أن هناك استحساناً لتعامل الحكومة مع ملف الفساد، وبخاصة بعد أن تم التحقيق مع رموز مهمة كان الشارع يتداول أسماءها في الفترة الماضية.
إن مركز الدراسات الاستراتيجية يقوم برصد اتجاهات الرأي العام لما يقارب العشرين عاماً الآن، وجزء منها يذهب لتقييم أداء الحكومات من وجهة نظر المواطنين، والذي تراوح من المرتفع جداً (80 %) إلى المتدني جداً (58 %). وبذلك، فالمركز يقدم خدمة للدولة والمجتمع من خلال جس نبض المواطنين حول قضايا الساعة، وهو بذلك لا يسعى إلى إزعاج أو إرضاء أحد.

mousa.shtaiwy@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ملاحظات اضافية (يافا العجمي)

    الخميس 9 شباط / فبراير 2012.
    أشكر الدكتور موسى على شرحه التفصيلي والمهم، وأضيف بأن لا أحد لديه مشكلة مع فكرة قياس الرأي العام بل على العكس فهي مؤشر على اهتمام بالرأي العام وبتطوير عملية اتخاذ القرار، المشكلة هي في قراءة الأرقام في ظل غياب تحليل اجتماعي وسياسي علمي لواقع المجتمع الأردني (ضعف المؤسسة الأكاديمية الأردنية وغياب مراكز الأبحاث)، فتتحول هذه الأرقام إلى أداة مواجهة بين الأطراف كي يبرر كل طرف رأيه. لذلك مهم ما قام به الدكتور شتيوي بمقاله هذا التحليلي للأرقام والتأكيد على التفاصيل وأظن أن هذه الأرقام يجب أن تربط بالأرقام الحقيقية الأخرى مثل التضخم والبطالة وتراجع جميع المؤشرات الاقتصادية وتراجع القيمة الشرائية للدينار وأن الأردني يصرف أكثر من دخله الخ. لذلك يطلق البعض على الاحصاء علم الكذب لأن الكذب قد يأتي في منهجية القياس أو في صياغة السؤال أو في غياب الأسئلة التأكيدية أو في اختيار وقت القياس أو الأهم في تحليل النتائج الاحصائية.
  • »استطلاعات جس نبض الشارع على اسس علمية لايزعج احدا (محمود الحيارى)

    الخميس 9 شباط / فبراير 2012.
    نشكر الدكتور شتيوى موسى على تحليلة لاستطلاعات جس نبض الشارع والتى لاتسعى لازعاج او ارضاء احد سيما وان الاستطلاعات تقوم على اسس علمية سليمة.ونشكر العلى القدير على ان الامور تسير فى الطريق الصحيح. والشكر موصول للغد الغراء للسماح لنا بالمشاركة عبر فضائها الحر.