علاء الدين أبو زينة

صور وحشية في ألبوم العالم!

تم نشره في الاثنين 6 شباط / فبراير 2012. 03:00 صباحاً

في قصتها القصيرة "اليانصيب"، تضع القاصّة الأميركية، شيرلي جاكسون، قرّاءها كلّ الوقت في أجواء احتفالية خلال يوم اليانصيب السنوي. ثمّة الأطفال يجمعون الحجارة من الطرقات في كومات ويمرحون؛ والكبار يتبادلون الأحاديث الودودة، ولا أحد يتخلف عن الحضور لسحب ورقته من الصندوق الأسود القديم. وفي النهاية، ينتهي الحدث إلى مشهد لا علاقة له بالمقدّمات: السيدة "تيسي" التي تفوز بسحب الورقة المعلّمة بقلم الرصاص، هي الضحيّة التي سيرجمها المحتفلون في الساحة حتى الموت هذا العام، في أداء وحشي للطقس التراثي الذي يشارك فيه بحماسة زوجها والعمدة، والجارات والأطفال الذين ينهالون قتلاً بالحجارة على المرأة البائسة.
وهناك الكثير جداً من الصور الواقعية البشعة التي تُضاف كل يوم إلى ألبوم البشرية المغثي، وتوثق الحوادث التي ينحدر فيها الحسّ الإنساني إلى ما دون الحيوانية، ويتجلى فيها عنصر وحشي جداً، تزيد فظاعته خصائص الإرادة والاختيار و"الوعي" التي يتعالى بها الإنسان على الموجودات. مثلاً: صورة نشرتها صحيفة الإندبندنت البريطانية تحت عنوان: "الصورة التي تُخجل إيطاليا". وفيها رجل وامرأة بملابس البحر، يستحمّان بالشمس على شاطئ نابولي. وعلى بعد أمتار قليلة، تبرز من تحت منشفتين أربعة أقدام لأختين غجريتين قتيلتين غرقاً. ويقول الخبر إن جثتي الطفلتين بقيتا مُهملتين ساعات على الشاطئ، بينما يتابع المستجّمون مِن حولهما مرحهم البحري بلا اهتمام.
وفي ربيعنا العربي الاحتفالي، أحياناً على طريقة بهجة القرويين في قصة جاكسون، عرضت الفضائيات و"يوتيوب" مؤخراً صورة من سورية لرجل مشنوق مدلّى من شجرة. وفي الخلفية رجال ونساء وفتيات وأطفال مبتهجون لمشهد الموت الفادح، بينما يقوم شخص متعربش على الأغصان بإدارة الجسد لعرض الرأس المشنوقة المنطوية على الجذع المقتول أمام الكاميرات. ويتسابق النظام والمعارضة على تكرار عرض اللقطة، كحجة دفاع، ويعلّق: "أنظروا كَم هم الآخرون غير آدميين!".
وفي صورة أخرى من ليبيا لدى اعتقال القذافي، ثائر ليبي يشرع في اغتصاب الأسير مُهان القُذال، جنسياً، بواسطة عصا أمام كاميرا هاتف خلوي. وفي مشهد من مصر، جنودٌ يجردون امرأة ويعرضون ملابسها الداخلية في ميدان التحرير القاهري، ويدوس أحدهم في بطنها بحذائه العسكري الثقيل.
وفي عمّان، أشخاصٌ يعتلون طوابق عمارة غير مكتملة البناء، يرجمون منها مواطنيهم المعتصمين في مكان مجاور بالحجارة وبما تطاله أيديهم، ويبدون متحرّقين للاشتباك معهم في عراك "قاتل أو مقتول". وفي معظم التظاهرات الشعبية المطالبة بتحسين الأوضاع في مناطق الأردن، يتداعى فقراء غاضبون من مواطنيهم الفقراء لسبب غير معروف، متسلحين بالعصي والسكاكين وقادمين بنيّة قتل جيرانهم ورفاقهم في العمل، وكأنّ لديهم ثأرا شخصيّا.
وفي مجلس الأمن، نفس المشهد المتكرر من الكوميديا السوداء: متخاصمون رسميّون، يعيّر كل منهم الآخر –محقّاً- بجرائمه ومعدنه المنطوي على غريزة القتل بدم بارد، ويتساءل المشاهد الذي يعرف ملفات الجميع: مَن هو القاضي ومَن الجاني؟ وبشكل مُغيظ، يبشّر بصلف بمبادئ الإنسانية والرأفة وزراء خارجية أميركا، وفرنسا، وبريطانيا؛ نفس الدول التي اعتقلت حرية العرب عقوداً وما تزال، ويزعم هؤلاء أنهم يحترقون غيرة على حياة المواطنين العرب وحُرّياتهم! وكان هؤلاء أنفسهم هم الذين أجهضوا مرة أخرى حلم 11 مليون فلسطيني في الحرية والدولة، ونقضوا عشرات القرارات التي أصدروها هم، والتي تعرّف الكيان الصهيوني بأنّه دولة احتلال. وما يزالون يغرقون المحتلّين الوحشيين بالأدوات لقتل الفلسطينيين والعرب، وبتبرير جرائمه، بالفيتو!
وفي ملعب كرة القدم المصري في بورسعيد، مصريّون يقتلون أشقاءهم المصريين أيضاً، ورجال أمن لا نعرف إذا كانوا هناك لفضّ الاشتباك، أم أنهم وُضعوا هناك بهذه القلّة لإتاحة المذبحة! ومرّة أخرى، يكشف المتطرّفون المهووسون بعبادة اسم النادي الرياضي عن جوهر فاقد للمعنى، ويقتلون بغلّ وبلا رفّة جفن، ويُعرضون أنفسهم للقتل معتقدين بأنّهم يخدمون غاية قُصوى.
في الفكر البشريّ تبريرات لا تُحصى للقتل، بذرائع صيانة البقاء وحماية الحيّز؛ والعزّة القوميّة والارتقاء بالمكانة. بلْ هناك إعجابٌ أحياناً بمشهد القتلى والجثث الممثّل بها حدّ الاحتفال والبهجة. وبكل الضيق بالانتماء إلى هذا النوع المرعب من الكائنات، يبقى السؤال السرمدي عن الفكرة كلها: عنْ معنى الإنسان، وغايته!

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الشعب الامريكي اكثر شعوب العالم حبا لسيل الدماء البشرية (د. عبدالله عقروق / بيروت مؤقتا)

    الاثنين 6 شباط / فبراير 2012.
    غريزة القتل ورثناها من اولاد قابيل وهابيل . واستمرت الى يوما هذا ..في الكتاب المقدس العهد الجدبد تحدثنا قصة ملك اليهود هيرودس قد أمر جنوده بكل الأطفال الذين ولدوا حديثا ، ووصل عددهم الى خمسة الاف طفل أثر سمعه بأن في بيت لحم ولد ملك اليهود .فأمر بقتله وكافة المولودين حديثا ,ويقول العهد الجديد بأن ملاك الرب ظهر بالليل الى يوسف ، والد السيد المسيح غير البيولجي ، وطلب منه أن يأخذ السيدة العذراء والدة السيد المسيح والطفل يسوع والهروب الى القاهرة..
    اليهود من بدأوا بالقتل الجماعي.. راح ضحيتها المليون شهيد وشهيدة في كل بلد عربي ابتداءا من دير ياسين ، لحرب 48، ثم شاتيلا وقانا وغزة والعراق ولا يزال الحبل على الجرار ..اسرائيل قبل ولادتها هي التب خلقت الأرهاب في عالمنا العربي واستمرت به .وللعلم ايها الكاتب البارع المتفوق أكثر شعوب العالم يحبون منظر سيل الدماء انهم الأمريكان ..فالأفلام التي فيها سفك دماء يقدم الأمريكيون عليها بكل نهم
  • »غريزة العدوان (wafaa)

    الاثنين 6 شباط / فبراير 2012.
    ابدعت في هذا المقال
    فعلآ امور تحصل نراها واعيننا لآ تصدقها لهول المشهد
    ان العدوان غريزة موجودة عند البشر سواء اكان عدوان على الذات او عدوان على الأخرين وخصوصا عند الرجال لآنهم يحبون القوة والسيطرة وغيرها
    في عام 2011رايت مشاهد عدوانية حقيقية كثيرة على التلفاز وانا ارى من حولي الأفراد لآ تهز لهم شعرة !!!فمثلا رأيت مقتل القذافي واشخاص أخرين يقتلونة ويدوسون عليهم بأرجلهم انا لست مع القذافي ولكن عندما رأيت هذا المشهد أصبحت ابكي ليس عليه وانما لقسوة البشر
    اي بشر نحن هل ممكن أن تزيد غريزة العدوان في عام 2012 ؟
    اتمنى ان اكون مخطئة وشكرا على هذا المقال الجميل