نادر رنتيسي

"مَنْ لا دمشقَ له لا شامَ له"!

تم نشره في الجمعة 3 شباط / فبراير 2012. 03:00 صباحاً

أسيرُ إليْكِ، لا تاريخَ أسودَ في كفِّي، ولا جغرافيا ضيِّقَة على كتفي، وحيدا إلاَّ من حبِّ امرَأةٍ لها قلبُ بلَدٍ، وقوام أُمٍّ شالها لا سماءَ تُطوِّقُ خفقانَهُ. ما تَعِبْتُ من المشيِ الطويلِ، ولا أصابَ جسَدي وَهْنُ الرجالِ العابرين..؛ شوقُ "القادِمِ من مدائِنِ الريح" في روحي إلى ذراعيكِ أقبِّلهما جداراً، جدارا..، فحبُّ الديار يا شامُ "شغَفْنَ قلبي"، كما حبُّ مَنْ سكَنَ الديارَ!
هُنا أنْتِ؛ مُذْ لم يكُنْ هناكَ شيءٌ، فـ "عقرُ دارِ الحَياةِ الدُّنيا في الشَّامِ"..؛ هُنا كانَ أول الشِّعرِ، والقافية الميميَّةُ، وهُنا اكتفيتُ بشيءٍ من الحياةِ، فنِمْتُ دافئاً بدونِ غطاء، وشربتُ الماءَ من النهر الذي لا يلتوي جريانه، وأكَلْتُ من مائدة المحبَّةِ غصْناً أخضرَ شفاني من عشرين بلدا..؛ فهُنا السماءُ أقرب، والحبُّ لا يجرحُ أطرافَ الروحِ بالنار، فالنساءُ من حَليبٍ وعَسَلٍ، والغناءُ لا يُبكي، والشَّجَرُ يسترُ العشاقَ ومن يَحْمِلُ ورقَةً تكفي رواية التاريخ كله..؛ فهنا المَجْدُ يا حبيبتي لا يَغيبُ، ولا يجلسُ كسيحاً على رفٍّ زُجاجيٍّ في المَتْحَفِ! 
هُنا أيضاً حدَثَت الزلازِلُ والفِتَنُ، وطلعَ قرنُ الشيطان منذُ أربَعينَ عاماً، فتوارى المغنِّي عن الليل، وحكَمَتِ الخوذَةُ رأسَ الشاعِرِ، وصارَ مسيرُ الناس إلى الوراء، والخوفُ شعورٌ لا يعني بالضرورَةِ أنَّ الخطرَ سيفٌ..؛ فهنا الناسُ تخافُ الورقة والقلم و"شرَّ" اللسان حينَ يُخالفُ جدران "المكتب الثاني". القتلُ الآنَ مهمَّةٌ يوميَّةٌ للرصاص، وخبرٌ يتسم بالجدة دائما، لكنَّ الموتَ سيتأخَّرُ قذيفة أخرى يا شام..؛ حتى تدقَّ الأيادي الحمراء أبوابَ "دمشق"!
تأخذني "الشام" على كتفها لأنام؛ أودُّ لو أستطيع، ولا يُعاتبني صوتُ المغنِّي: "أينامُ الليلَ من ذبحوا بلاده"، فهنا لي امرأةٌ حزينةٌ الآن..، تسمَعُ لحْنَ الموتِ، وتغنِّي في الطريق إليه، وتبكي..، وحين تبكي دمشقُ فلا يأتي من بعد بكائها المطر. هُنا البكاءُ كلامٌ سرِّيٌّ إلى السماء فـ "النصر صبر ساعة"، وسيبكي الخاسرونَ امرأةً لم يصونوها كالرجال فـ"مَنْ لا دمشقَ له، لا شام له"!
كعروس ملّت الخدر..؛ ستفيق "الشام" عمّا قريب من نومها، وأكشفُ "سري المعلن": امرأتي "شامية" القلبِ واللسان، وحبِّي نزاريٌّ مشتقٌّ من لغة الياسمين، وقلبي مؤمنٌ يخفقُ بتراتيلِ السماوات في الجامع الأموي، ويقتربُ أكثر من الله، فأقصر طريق عبَرْتُه إلى السماء كانَ مِنْ "باب توما"، وجسدي قاحلٌ يشتهي تفاصيلَها..؛ فها هنا "شامة" قربَ الفم تماماً..أشتريها بدمي!
في "الشام" سأكونُ غداً، فعمَّا قريبٍ سينتهي حكمُ الغابَةِ، ويتغيَّرُ طعمُ الهواءِ ولونه ويصيرُ ملائما لقول سليم المخارج: "سورية بدها حرية". حينَّها سأحبُّ الحياة، وأقولُ لأهلها الطيِّبين ما قاله شاعرٌ مرَّ باسمها كما يمرُّ دمشقي بأندلس: "هيئوا لي البيوتَ المواربة الأبواب"، وسأحتارُ كرجُلٍ ذاهِبٍ إليها: أتزوَّج امرأةً أم ياسمينة؟!، وأقرُّ بمكر العاشق البدويِّ أنَّني لا أحبُّكِ أنتِ فقط..؛ فـ"الشام" قد لا تعني سورية وحدها، وإذ أخشى ندما على امرأة لا تعودُ، أسألُ كعاشقٍ خفيف النبض: "أتراها تُحبُّني ميسونُ"..؛ ثمَّ لا أكترثُ في الإجابة السريعة..؛ فبَعْد حبِّ "الشامِ" كلُّ النساءِ ظُنون!

nader.rantisi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لم أفهم شيئاً (مستر)

    الجمعة 3 شباط / فبراير 2012.
    علي النعمة ما فهمت إشي... خلي لغتك أبسط وبعيدة عن اللف والدوران وحركات الضم والشدة.
  • »من لاشام له (عفاف الصديق)

    الجمعة 3 شباط / فبراير 2012.
    ابدعت كعادتك ولكن تميزت بمقالتك ادام الله الشام وكل الدول العربية حماها اللة من كل ضرر
  • »من لا دمشق له لا شام له (سعاد الياس)

    الجمعة 3 شباط / فبراير 2012.
    ..مقال رائع بإسلوب جيد و لغة غنية يفوح منها الإبداع كعادتك .. أشتاذ نادر .. إلى الأمام
  • »شامة في القلب (آمنة الحلبي)

    الجمعة 3 شباط / فبراير 2012.
    شام .. دماس .. شامة .. قلب يبنبض بالحياة .. ما اجملك نادر وأنت تتغزل بشام القلب .. نبض العروبة .ز غزل جميل بإسقاط سياسي.. سلمت يداك
  • »دمشق ياسمينة (نجوى)

    الجمعة 3 شباط / فبراير 2012.
    دمشق لا ياسمينة ولا زهرة غاردينيا,,,, دمشق قصيدة حبّ يُردينا
  • »يا لذكاءك (رقية)

    الجمعة 3 شباط / فبراير 2012.
    وأنت تسير في طريقك الى شامك تحت كل خطوة تنبت شجرة ياسمين دمشقيه فروعها تطاول السماء لترسل شمساٌ تنير ليل شامك وتغسل قلبها من كل الأوجاع
  • »هنا المجد (رغد خنفر)

    الجمعة 3 شباط / فبراير 2012.
    فهنا المجد يا حبيبتي لا يغيب ، ولا يجلس كسيحا على رف زجاجي في المتحف ! عنجد حروف استنطقت فكري البليد !! يمكن قرأتها سبع مرات ! أبدعت كالعادة :)
  • »بارع انت (سهام وريدات)

    الجمعة 3 شباط / فبراير 2012.
    سلام من صبا بردى ارق... ودمع لا يكفكف يا دمشق... وللحرية الحمراءباب...بكل يدمضرجة يدق. يا لبراعتك وصورك البيانية,أأقول بانك احمد شوقي ؟انزار انت؟!ام درويش؟!
  • »من لادمشق لهلا شام له (هيام العرواني)

    الجمعة 3 شباط / فبراير 2012.
    كلام جميل انت شخص رائع ومبدع جدا
  • »اعشقك يا شام (ميس جلال)

    الجمعة 3 شباط / فبراير 2012.
    رووووووعة .....ارجعي ياشامي ...شامة شامخة بين المدن والعواصم يا مهد الحضارات يا روح الامة العربية ...الله حاميكي يااااا شام بعشئك
  • »اينام الليل من ذبحوا بلاده (ربحية حمادة)

    الجمعة 3 شباط / فبراير 2012.
    أتمنى ان لا يغرق الياسمين الدمشقي في ليل يلبس ثوب نهار مزيف وأن ندرك حقاً من أين تشرق الشمس التي غابت عن أرض فلسطين والعراق ... ..شمس الحق والحرية لن تأتي من الغرب وستبقى شمسنا شرقيه ..أسال الله أن يحميك شام العروبة من ليل لن نفيق من بعده
  • »تأكيد.. لا تعليق (محمد زكريا)

    الجمعة 3 شباط / فبراير 2012.
    أسيرُ إليْكِ، لا تاريخَ أسودَ في كفِّي، ولا جغرافيا ضيِّقَة على كتفي، وحيدا إلاَّ من حبِّ امرَأةٍ لها قلبُ بلَدٍ، وقوام أُمٍّ شالها لا سماءَ تُطوِّقُ خفقانَهُ. ما تَعِبْتُ من المشيِ الطويلِ، ولا أصابَ جسَدي وَهْنُ الرجالِ العابرين..؛
  • »من لا دمشق له لا حب له (razan jaber)

    الجمعة 3 شباط / فبراير 2012.
    وماذا بعد حب الوطن جرح في قلبي اوجعني ودموعا على مرمر كادت أن تُحفر بت أخاف الليل من صحوة دون نفس وهلئ الفؤاد قهر وأنا من أبكي نحيبا والله كالطفل الضائع يبحث عن فطيمه أتراه لا يرى ولا يسمع وأبكي ملكا ضائعا لم احافظ عليه كالرجال حزينة وما بعد الحزن إلا عيونا عمت من البكاء. تضع يدك دائما مكان الوجع وتضغط بحنية فائقة فكيف أغفو وشامي لا تنام فقد أبكيت شامي وشامك .....يا لك من رائع
  • »نسأل الله ان يختار الافضل لدمشق والشام ولكل سورية الحبيبة (المتيم)

    الجمعة 3 شباط / فبراير 2012.
    نسأل الله ان يختار الافضل لدمشق والشام ولكل سورية الحبيبة
  • »شام انت المجد لم يغب (ريبيعة شما)

    الجمعة 3 شباط / فبراير 2012.
    الله عليك يا رائع ...كما دائماً تدهشني وفي دمشق ستفتح لك كل القلوب ...وسنهديك أجمل ياسمينة .. وميسونك
  • »رائحة الياسمين (محمد التميمي)

    الجمعة 3 شباط / فبراير 2012.
    أبدعت وتألقت كما دائماً ... مقالٌ تفوح منه رائحة ياسمين شامي وعلى اطرافه قطرات من عطر الشهداء ويحمل في طياته ليس قلبك وحدك بل قلبي معك نرسلهما هدية للشام.
  • »شكرا كثيرا (عبده الديري)

    الجمعة 3 شباط / فبراير 2012.
    لا يجب أن أكتفي بالشكر على هذه المقالة
    ولكن جل ماأملك هنا الشكر
    حسبك أن تعلم سيدي أنك أثلجت صدر شاب سوري يعيش مأساة يومية
    فبارك الله بك سيدي وبقلمك العذب