د.أحمد جميل عزم

"حياة غير آمنة".. ذكريات بوصلة لا تخون

تم نشره في الجمعة 27 كانون الثاني / يناير 2012. 03:00 صباحاً

كنتُ قبل قراءة كتاب "حياة غير آمنة: جيل الأحلام والإخفاقات"، لشفيق الغبرا، أتخيل عند اقترابي من موضوع "الكتيبة الطلابية"، أني أمام جبل جليدي لا يُرى سوى رأسه؛ فحجم التفاصيل والأسماء المتصلة بها كبيرٌ للغاية. والكتيبة تيار نشأ في حركة فتح في لبنان منتصف السبعينيات، قبل أن يصبح اسمها "كتيبة الجرمق".
بعد قراءة الكتاب أصبحت الصورة أوضح نسبيّا، وغدوت كمن فَتَح ملفاً ضخماً، يعدُّه لكتابة رسالة جامعيّة، أو كتاب، أو موسوعة، مُقسمةٍ إلى أبواب وفصول، سيملؤها بأوراق ومعلومات ووثائق في موضوع بحثه؛ أو كمن يفتح "مجلّدا" على الحاسوب يحتوي ملفاتٍ بعناوين مختلفة، تنتظر حشوها بالمعلومات.
يسهم الكتاب (414 صفحة) -وهو سيرة ذاتية جزئية لصاحبه حتى سن الثامنة والعشرين- في وضع عناوين للبحث، مستقاة من السنوات الست التي قضاها في الكتيبة بين العامين 1975-1981.
يقدّم الكتاب جيلاً من الشباب، انخرط في الثورة، مؤمنا أنّه "إذا لم يذهب الأفضل إلى ساحة المعركة فمن يذهب؟". اضطر هذا الجيل لخوض الحرب الأهلية في لبنان في السبعينيات، ولكنه سعى للتخلص منها والعودة إلى مواجهة إسرائيل. سنشاهد الغبرا الذي تخرج من جامعة جورج تاون يقاتل إلى جانب عمار (عاطف بدوان) الذي انضم إلى الثورة في الستينيات، في عمر الخامسة عشرة. يبتسم الغبرا العام 1976، ويقول لعمّار، وسط الدمار وقذائف القوات السورية، وبعد أن يتأكدا أنهما أحياء: "هذه آخر المعارك حتى نذهب إلى الجنوب، انتبه لنفسك". أهم مَعلَم في مسيرة الكتيبة تجسيد شبابها شعار "بوصلة لا تشير إلى فلسطين خائنة"، فكانوا بذلك روّاد مبدأ "التناقض الرئيسي مع العدو، وباقي التناقضات ثانوية". وبالفعل، تكرّست الكتيبة لمقارعة الإسرائيليين في الجنوب، وسطّرت ملاحم الصمود، كما في قلعة شقيف منذ نهاية السبعينيات. بل إنّ قيادات الكتيبة انخرطت في التخطط لنقل الثورة إلى داخل فلسطين، وبدء حرب عصابات. ولم تنجح الفكرة، ولكنّها جهّزت لعمليات هناك، مثل عملية الدبويا ضد مستوطني الخليل (1980)، والتي نفذتها مجموعة نجحوا في إدخالها إلى الضفة الغربية. كما قاتلت "دلال المغربي" في الكتيبة حتى اتجهت بوصلتها إلى الساحل الفلسطيني، وعمليتها العام 1978.
تميّزت الكتيبة بمناقب أخلاقية عالية، رافضة أي تجاوزات أو إساءة للأهالي. وقاتلت على جبهات عدة؛ ضد العدو وعملائه في الجنوب، وضد عناصر ومجموعات في الثورة كانت تسمح لنفسها باستباحة حقوق أعدائها من اللبنانيين، وحتى حقوق المدنيين العاديين؛ فحمت الكتيبة اليهود وأموالهم في بيروت، ومنعت اضطهاد عائلات العملاء في الجنوب، وحاربت السرقات، بينما قاتلت إسرائيل برا وبحرا بدون توقّف.
انبثق عن الكتيبة الاتجاه الإسلامي في "فتح"، وتعاونت معها عناصر ستؤسس لاحقا "حزب الله"، وتلعب دورا في الثورة الإيرانية. كما كان لدى الكتيبة سعي لوضع أدبيات تحمل فكرا استراتيجيا واضحا للبناء الثوري والعمل المقاتل.
لو قُيض لشباب الكتيبة استكمال مشروعهم، لشهدنا ربما مرحلة جديدة في الثورة الفلسطينية، أو "الثورة الثانية"؛ إلا أنّ الكِتاب يعزز فرضية أن الاقتراب من إيران وتبني الفكر الإسلامي أدى إلى ابتعاد عناصر عن الكتيبة (مثلما استُقطب إليها ربما آخرون). وأخيرا توقفت التجربة بعد خروج المقاومة من بيروت العام 1982، واستشهاد قادة بارزين.
تغري قراءة كتاب الغبرا بالغرق في البحث والتقصي، فما يزال هناك آلاف الصفحات لتُكتب وتوثق التجربة وتناقشها.
عاد بعض أفراد الكتيبة إلى فلسطين بعد أوسلو، ومنهم من استشهد هناك في مواجهة العدو، وأصبح بعضهم أكاديميون في جامعات عالمية وعربية مرموقة، ومنهم روائيون وروائيات، ومهندسون، ورجال أعمال.
فوجئتُ كما آخرين باكتشاف أن الغبرا -الذي تابعته في الإعلام والمؤتمرات أكاديميا مرموقا- كان في الكتيبة، وعرفت بقراءة الكتاب أنّه امتنع عن الحديث عن "جهاد" (اسمه الحركي) نحو 30 عاما!
يعود "شفيق" مع آخر صفحتين في الكتاب إلى مشاهدة ميادين "جهاد" في الجنوب، بعد تحريره العام 2000، فندرك أنّها ثورة ظلمت مرتين؛ الأولى لأننا لا نعرف تفاصيل كثيرة فيها، والثانية بسبب من أساؤوا إليها من داخلها فحجبوا البطولات الحقيقية، وحرفوا البوصلة أحياناً.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حياة غير آمنة (حفظي الرفاعي)

    الجمعة 27 كانون الثاني / يناير 2012.
    مقال حصيف ، بصرف النظر عن أنه تكفل بإثارة الشجن في كوامن النفس .. وأعادنا إلى ماض جميل ألق عبق ، برغم ما شاب بعض القيادات من نظرة نفعية خيانية ضيقة نابعة عن ضيق أفق ، مبينا" للقراء المكرمون أن أروع وأبدع المؤلفات في العالم وعلى الإطلاق إنما هي تلك النابعة من أعماق القهر المشوب بالعهر السياسي المطلق .. وتحديدا" أدب الثورات وأدب السجون .. فهي مؤلفات فكرية ثرية تحاكي (واقع) وتستشرف مستقبل .. وتنير العقل لما تحتويه من مشاعر صادقة وأحاسيس إنسانية دافقة .. ورؤى لأحلام واجفة ، مع الشكر للكاتب الملهم .
  • »السلام عليكم (محمد بدوان)

    الجمعة 27 كانون الثاني / يناير 2012.
    موضوع الكتاب مهم ويستحق القراءة مشكور دكتور