الجهل أسوأ من "المؤامرة الأميركية"!

تم نشره في الخميس 19 كانون الثاني / يناير 2012. 03:00 صباحاً

لم يكن بوارد الولايات المتحدة أن تحث الأردن على إصلاح سياسي، سواء في فترة صعود القوى القومية واليسارية أم صعود القوى الإسلامية. بل على العكس، لعبت دورا سلبيا كارثيا تمثل في ترويج السفير الأميركي إدوارد جرجيان لقانون الصوت الواحد العام 1993 وتبنيه له، بعد فرضه بشكل غير دستوري إثر حل مجلس النواب الحادي عشر الذي يعد من أفضل المجالس في تاريخ البلاد.
من الطريف أن ذلك القانون ساهم في "تهميش" الديموغرافيا الفلسطينية، وقلل من حضورها التمثيلي. واليوم، يُنقل عن الأميركيين رغبتهم في قانون انتخاب يراعي تلك الديموغرافيا. الجديد في تبني الأميركيين للإصلاح هو تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001. وبدون عبقرية، اكتشف الأميركيون، وقبل الربيع العربي، أن بن لادن والظواهري و19 من مفجري الأبراج لم يسبق لهم أن شاركوا في انتخابات وعرفوا التغيير السلمي، فجنحوا للعنف.
وقتها رد الرئيس المخلوع حسني مبارك على دعوات بوش بنظرية "الإصلاح من الداخل". ولم نفهم نظريته حتى شاهدناه في قفص الاتهام! في الأردن كنا أكثر ذكاء، وخرجنا بمبادرات جميلة توجت بـ"الأجندة الوطنية"، ولم تكن أكثر من شراء وقت. وانتهت الأجندة إلى "سي. دي" يستعين به الباحثون في نظريات الإصلاح! مع أفول نجم المحافظين الجدد وغرق أميركا في المستنقعين الأفغاني والعراقي والأزمة الاقتصادية، صعد نجم أوباما زعيما عينه على الداخل ومنسحب من الخارج، وانتهت حكاية "الإصلاح من الداخل"، وشهدنا أسوأ انتخابات في البلدان العربية. وفي الأردن، ما نزال نعاني من التزوير في انتخابات 2007، بلدية ونيابية. وقتها، وإمعانا في نظرية المؤامرة، رحب السفير الأميركي بالانتخابات وأشاد بنزاهتها!
اليوم، تستمر "المؤامرة "وتتغير أدواتها. فإن كان تزوير انتخابات 2007 الفاضح هو رسالة لإخوان مصر ولحركة حماس بأن فوزهم لن يتكرر في الأردن، فإن نزاهة الانتخابات وعدالة قانونها هو رسالة للربيع العربي بأن أبواب الأردن مفتوحة له بصعود إسلامي مرتقب.
أميركا كانت تقدر مصالحها في كل مرة مع الأردن بوصفه الحليف الاستراتيجي والتاريخي، وليست الحكومة الأميركية محكمة دستورية ولا منظمة حقوق إنسان تقدم شهادة أخلاقية. في العام 1993 أرادت أميركا إضعاف الإخوان من أجل تمرير معاهدة وادي عربة، وبعدها كان يهمها من الأردن شراكته في عملية السلام والحرب على الإرهاب. اليوم، من مصلحة أميركا الحفاظ على الاستقرار في الأردن من خلال المضي في عملية الإصلاح.
حديث الأميركيين عن العدالة الديموغرافية في قانون الانتخاب مبني على جهل تشاركهم فيه قيادات في الدولة والمعارضة، والتعامل معه سهل. الحركة الإصلاحية الأردنية، وعلى رأسها الحركة الإسلامية، تتبنى منذ العام 1993 إصلاح آلية الانتخاب من خلال العودة للأصل الدستوري ونزاهة الانتخابات. يرد على الأميركيين بالعودة إلى الأصل الدستوري العام 1952؛ في تلك السنة كانت الديموغرافيا الفلسطينية تشكل بعد الوحدة ثلثي سكان الأردن، ولأنها وحدة متكافئة بين ندين وزعت الدوائر الانتخابية مناصفة. وهذا ما أبقى "الأردن أردن وفلسطين فلسطين". بعد فك الارتباط ذهبت دوائر الضفة إلى فلسطين وصار ممثلوها بعد 1993 أعضاء في المجلس التشريعي. إن الدولة معها الدستور وهو وثيقة تعاقدية بين مجتمعين، ومعها الحركة الإصلاحية الأردنية بتياراتها المتنوعة، قادرة على مقاومة أي ضغط من خلال العقل والمنطق، وتبيان جهل الأميركيين بالدستور الأردني وبالتاريخ الأردني. أما اللجوء إلى فئة من العنصريين لمقاومة الديموغرافيا الفلسطينية فهذا ما يُنجح المؤامرة إن كان ثمة مؤامرة. والواقع أن ثمة قوى لا ترى في الربيع العربي وما نتج عنه من انتخابات نزيهة غير "مؤامرة صهيو-أميركية"! ومن لا يصدق فليتابع تلفزيون المنار.

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »فهمت أبا خالد (زاهر أيوب)

    الخميس 19 كانون الثاني / يناير 2012.
    ليس من الصعوبة بمكان أن وجدت مقصد القاريء أبو خالد . . وبه نصيحة بالا تلتقي أجندات بعض التيارات الأردنية مع مطامع الولايات المتحدة . . ونترك من يحمل هذه الايديولوجيات ليكون قد عرف نفسه بنفسه !
  • »الرؤيا تتضح ! (هاهر النجار)

    الخميس 19 كانون الثاني / يناير 2012.
    ليس العداء أو الاستحسان لأي من التوجهات لدى العالم الخارجي ، هو من الثوابت التي لاتتغير . . وفي هذا المساق ، فقد بدأت نظرية ( الوطن البديل ) بتلميحات لدى اليهود المتشديين ، ثم تصريحات لهم ، تلتها تصريحات واضحة للعديد من المسؤولين الاسرائيليين ، ، وها هي هذه التصريحات ، قد انتقلت الى الجانب الأمريكي ، ومهما حصل الأردن على دعم أمريكي ، فأن (غرامهم القصري) لاسرائيل ومطامحها ، لا تعلو عليه أية مؤشرات هنا وهناك لأن حرص رؤساء الدولة العملاقة محكومة نظرتهم للأمور بما يمكن أن تؤثر أصوات اليهود الأمريكيون ، على بقائهم أو القائهم خائبين ، وما تلبث التصريحات ( الخجولة ) لبعض الرؤساء الأمريكيين بنصرتهم للمظلومين ، بعد فوزهم بالمنصب المنشود ، أن تخبو تدريجيا تحت وقع الصرخات العالية التي تطلقها الصهيونية العالمية ، جنبا الى جنب مع اقتراب الانتخابات التالية . .
    وهاهنا فاني لا أخال أن النداءات الأمريكية لاسقاط النظام السوري ، هي حبا للشعب السوري ، وأن الساسة الأمريكيون لهم صولات وجولات في هكذا سياسات في العديد من دول العالم ، وحينما تحصل مآربها ، تلقي بما كانت تعتبره من مبادئها المعلنة ، لتقفز غير آبهة بأي اعتبارات براقة ، ،
    وتأسيسا على ماتقدم ، فاني أربط بين ( حب ) الولايات المتحدة للشعب السوري في المرحلة الراهنة ، وذلك ريثما تتمكن من تحقيق الفوضى الموصلة الى هتك ( الوطن السوري) تحت شعار تخليصه من حكامه ، لتلتفت الى مشروعها الأهم ألا وهو تحصين اسرائيل بتحقيق ( الوطن البديل ) .
  • »To Mr.Mohammad1981 (ابو خالد)

    الخميس 19 كانون الثاني / يناير 2012.
    ما قصدت قوله هو ان لا تتبنى المعارضة الاردنية الطرح الامريكي والذي جاء على لسان وفد الكونغرس الامريكي الذي زار الاردن مؤخرا بضرورة ان يكون النظام الانتخابي الجاري العمل عليه الان ممثلا عن الكثافة السكانية الاردنية وأن يأخذ بعين الاعتبار وجود 800000 من الاخوة الفلسطينيين في الاردن ممن لا يحملوا الجنسية الاردنية,فكلام اميركا طبعا( قد)يكون كلام حق ولكننا نعرف انه يراد به باطل,والقصد منه هو منع هولاء الاخوة من العودة الى فلسطين والغاء حقهم في المواطنة الفلسطينية وكل هذا طبعا من اجل عيون اسرائيل ومساعدتها في مسعاها بجعل اسرائيل دولة يهودية.
  • »رد على الاخ الكريم ابو خالد-الاردن (mohammad1981)

    الخميس 19 كانون الثاني / يناير 2012.
    بصراحة مافهمت قصدكم 100% خاصة في جملة انتقادكم للااحزاب الوطنية والحركة الاسلامية في تماهيها مع الطرح الامريكي واضح من طرح الكاتب انه لا يحبذ الافكار الامريكية .لكن في علم السياسة لايوجد كل شيء ابيض او اسود في الحياة العملية وواضح ان تأثير او نظام الصوت الواضح ادخل البلد في ازمة حقيقية خلال الفترة السابقة وواضح جدا حجم الاخفاقات والفساد الذي استشرى في تلك الفترة وأوصل البلد لماهي علية الان. هل المطلوب من حكماء هذا البلد استمرار المسير في نفس السياسة التي اوصلتنا لما نحن فيه او التراجع كما تعلمنا عن الخطأ هو فضيلة ومن مصلحة البلد والجميع ان تتم الاصلاحات بهدوء وان نجنب وطننا ما يحصل من ويلات في الدول والانظمة المجاورة؟
  • »كل الطرق تؤدي إلى اسرائيل (خالــد الشحــام)

    الخميس 19 كانون الثاني / يناير 2012.
    مقال جامع رائع بتوقيع ابو هلالة من جديد ، لم نقرأ لك مقالا بهذه القوة والحرفية منذ مـدة ....... اضطر العديد من المنتمين إلى تصنيف (متضرري أحداث الربيع العربي والمطالبين بالتعويضات ) إلى اللعب على حبال متنوعة ومختلفة لتفتيت القوى المجتمعية الناهضة واسقاط الشرعية عن المطالبين بالاصلاح بشتى الحيل والتقمصات وكان آحدها بشكل رئيسي محاولة تلبيس هذه المطالبات ثوب المؤامرة وبأنها أتت بأوامرمن قوى اسلامية خارجية وخاصة من مصر وتونس وهم بذلك لا يقزمون ويختصرون حياة ومطالب الناس في أكذوبة وإنما يولدون المزيد من الكبت والضغط لما قبل الانفجار ، ما يتضح تدريجيا أن ظاهرة تأجيل الاصلاح والتباطؤ بها هو الذي ينطبق عليه ذلك الوصف دون سواه ، ونستطيع تلمس التأثير الخارجي على هذا الصعيد بائنا دون مواربة ......... لم يقتصر تأثير السياسة الأمريكية على منابر الاعلام وغرف الاجتماعات والاحاديث الدبلوماسية ، نحن كأفراد وكمجتمعات نذوق الأمرين من هذه السياسات وكل أشكال الضيق المحورية في حياة المواطن العربي طيلة سنوات عجاف لا بد أن تنتهي وترتبط بقرارات ودسائس السياسة الأمريكية التي لا تخفى عن أحد .....الجيد في شؤون السياسة الأمريكية على الرغم من اللف والدوران والاحتيال والحجم الضخم لها وتزيينها بفضيلة الديموقراطية وحقوق الانسان أنها بسيطة وسطحية ومكشوفة النهايات والتي لا تتعدى منطق كل السبل تقود إلى اسرائيل ، ومهما تم الترويج والتهليل لها فهي دائما في عقولنا تعني الخداع واستجرار الاخر نحو مصالحهم وليس العكس ، هذه السياسات تفعل كل شيء في سبيل ابقاء ومحاباة ذلك الطرف سواءا تطلب الأمر مساندة لنظام أو اسقاطه ، وسواءا اقتضى الوقوف إلى جانب الفلسطيني أو إلى جانب الاردني ، وعليه فأي تعاط لمخدرات سياسية في المنطقة يجب أن يصب في اتجاه ذلك النهر بلا مناقشة ........ ثورة الشعوب كانت ولا زالت تهدف إلى وضع الحكم في إطار الخضوع للاجماع الشعبي بأسس عادلة وليس السير تحت عباءة الحاكم الملهم الذي لا يأتيه الباطل من فوقه ومن تحته ، وكلما تأخر الانصياع لذلك كانت العواقب أبعـد خطورة وأشـد دموية.
  • »لا يصح الا الصحيح (د. حسين الهروط)

    الخميس 19 كانون الثاني / يناير 2012.
    أبدعت بالتشخيص والحل
  • »ولماذا نشارك في هذه المؤامرة؟ (ابو خالد)

    الخميس 19 كانون الثاني / يناير 2012.
    استطيع ان افهم كيف تتعامل الولايات المتحدة مع الاردن بأعتباره دولة (ad hoc),واستطيع ان افهم كيف تتماوج السياسة الاردنية للتعاطي مع هذا النوع من التعامل(بأعتبار ان السياسة هي فن الممكن) ولكن ما لا استطيع فهمه هو كيف تقبل الاحزاب الاردنية، والاسلاميين على وجه الخصوص,ان يستمرأوا ويتماهوا مع هذه الحقيقة ويدخلوا كلاعبين اساسيين على اساس ما يفرضه هذا التعاطي مع الاردن من حقائق على الارض.لسنا بحاجة الى تلفزيون المنار ولا الى غيره من تلفزيونات وفضائيات(غير خالية الطرف)لنعرف اذا كان هنالك مؤامرة ام لا وحجم هذه المؤامرة,ما نعرفه ان هنالك من يريد تكييف الواقع الاردني ليخدم الاجندة الصهيو-امريكية وكل ما علينا عمله هو ان لا ندعهم ينجحوا في مسعاهم هذا,وحسنا فعلت عندما اشرت الى ان الجهل الامريكي(المتعمد طبعا)يتشارك فيه قيادات في الدولة وفي المعارضة,انا لا اعتب على الدولة هنا(فهي تتعاطى فن الممكن كما اسلفت)انا اعتب على مشاركة المعارضة في هذه اللعبة ,لأن من شأن ذلك ان يلغي عنها صفة "المعارضة"هذه التي تتبجح بها.
  • »النزاهة (زكي عماوي)

    الخميس 19 كانون الثاني / يناير 2012.
    الشكر السيد ياسر أبوهلالة لاثرائة مواضيعة بالمادة الدسمة والتي اتابعها باستمرار فشكرا لك ولجريدة الغد التي يجب ان تفخر بامثالك وزملائك فانتم ثابتون على الحق والحقيقةلا تهزكم الرياح او العواصف نثق بكم ونصدقكم واجركم على اللةز