ياسر أبو هلالة

في مثل هذا الحلم 14/ 1

تم نشره في الأحد 15 كانون الثاني / يناير 2012. 03:00 صباحاً

يحرس الأمن الرئاسي التونسي القاعة التي يجتمع فيها منتدى الشرق عشية احتفالات تونس بانتصار ثورتها المجيدة. يجتمع في المكان المنصف المرزوقي رئيس تونس، وراشد الغنوشي رئيس حركة النهضة، وغيرهما ممن كان الأمن الرئاسي مكلفا بقتلهم لا حمايتهم. في تلك الليلة قبل عام لم يتمكن الأمن الرئاسي من حماية الرئيس من شعبه الغاضب، فاختار الهرب أحسن الحلول له ولشعبه. واعتقل السرياطي مدير الأمن الرئاسي أثناء محاولته الهرب لاحقا.
لكل مواطن عربي حكايته في تلك الليلة العظيمة. كثر لم يناموا وهم يتابعون أخبار الثورة التونسية. لكن الحكاية الأهم هي حكاية كل تونسي أسهم في هذه الثورة، وصولا إلى استبدال النظام من خلال انتخابات. تلك حكاية تستحق أن تروى للأحفاد بدلا من حكايا النكبات والخيبات.
يحاول منتدى الشرق الذي يرأسه وضاح خنفر، المدير السابق لقناة الجزيرة، تقديم إجابات عن أسئلة المستقبل. وفي تونس مكان أنموذجي لطرح الأسئلة وتقديم الإجابات؛ فالبلد الذي نجح في تقديم نموذج عالمي في التغيير الثوري السلمي، وفي الانتخابات النزيهة الممثلة بعدالة وتوازن لقوى المجتمع المختلفة، قادر على الإجابة عن سؤال بناء الدولة الديمقراطية الحديثة.
وهذا سؤال لا يشغل المنصف المرزوقي وراشد الغنوشي فحسب، بل يشمل القوى الديمقراطية جميعها خارج تونس. في المنتدى تجد بوصلة مشتركة بين عبدالحكيم بلحاج رئيس المجلس العسكري لطرابلس، والمثقف العلماني والنائب في البرلمان المصري وحيد عبدالمجيد، وأحمد عبيدات رئيس الجبهة الوطنية للإصلاح في الأردن، وغيرهم من قادة رأي وفكر وساسة وثوار.
اللافت في المنتدى هو التواضع المعرفي، على الرغم من عمق التجربة والخبرة والتضحية. تجد ذلك في المرزوقي أول رئيس منتخب، وفي الغنوشي صانع الرؤساء، وفي بلحاج فاتح طرابلس، وفي شباب الثورة التونسية واليمنية. ذلك الجو يسهم في طرح الأسئلة الصحيحة وتقديم إجابات متعددة لا تحتكر الخبرة والحقيقة والتضحية.
لقد أصبح حلم الثورة واقعا، لكن الدولة ما تزال حلما، وتواجه تحديات جدية داخلية وخارجية. فتونس، مثلا، وإن نجحت في تقديم أنموذج راق في الانتخابات، تواجه تحديا اقتصاديا خطيرا في ظل ما يشبه العقوبة الاقتصادية العربية والدولية؛ وما يتوافر من مال في خزانة الدولة لا يكفي لسد احتياجاتها لشهرين. والمال العربي يصب لثوار الزنتان أملا في هيمنة على نفط ليبيا!
بعد عام من الحلم، من حقنا أن نحلم بمستقبل أجمل، بقدر ما علينا أن نحاذر من مزالق قادرة على تحويل الأحلام إلى كوابيس. غير أن الحكماء قادرون على تجنيب شعوبهم ذلك. وبقدر ما تحتاج الثورات إلى عنفوان وتهور ومبادرة، تحتاج الدول إلى هدوء وسكينة وأناة. والمؤكد أن تونس بخاصة، والعالم العربي بعامة لا يخلوان من حكماء. والمؤمل أن يكون في منتدى الشرق فضاء حر لهم، والشرق هو "إن العروبة لفظ إن نطقت به فالشرق والضاد والإسلام معناه"، على رأي الشاعر محمود غنيم في القرن الماضي.

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق