نادر رنتيسي

عائلة من الألفية الأولى!

تم نشره في الأحد 15 كانون الثاني / يناير 2012. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الأحد 15 كانون الثاني / يناير 2012. 12:44 مـساءً

كأنَّما الحياةُ مُجرَّدَ أرقامٍ تُهَرْوِلُ إلى الأمَامِ مُفْرَغَةً من حُمُولَةِ الوَقْتِ الحضاريَّةِ. قبَلَ عقْدٍ وثلاثة أعوامٍ كُنَّا في الهزيع الأخير من الألفيَّةِ الأولى: كانَ هناك هواتفَ محمولة ثقيلة، وأجهِزَةُ حاسوب بيضاءَ ضخمَةٍ، و"فاكس" قلق على مستقبله الوجوديِّ، وإضافات جديدَةٍ تعتمِدُ اللمْسَ الرقيقَ في السيارات التي كانت حَديثَةً..؛ وناس كثيرون تخلَّفوا عن دخول الألفية الجديدة، بأنْ آثروا النومَ المبكِّرَ ليلة الحادي والثلاثين من كانون الأول (ديسمبر) 1999، على رؤوسٍ مُغْلَقَةٍ لا تقبَلُ التحديثَ التلقائيَّ!
هنا الآن، لم يَمْشِ إلى الأمام سوى الأرقام؛ فهناكَ بيتُ عائلَةٍ كانت قبلَ عقدٍ ونصفٍ كبيرَةً: زوجٌ أكثر من كهْلٍ توقَّفَ قسراً عن الإنجاب والعمَلِ، وتحوَّلَ إلى كائِنٍ حكَّاءٍ، شكَّاءٍ، وفي القليل من الأحيان يخالفُ عُرفَ الرجال الغليظين ويصيرُ بكَّاءً، وزوجَةٌ سمينَةٌ انخفَضَ بها ثلاثة عشر حملا مكتملاً وثلاثة ماتوا قبل الحياة، إلى دون المتر والنصف، وتبدو أقصر بكتفين طاعنِيْنِ بالانحناء، وأولادٌ خرجوا تِباعاً مِنْ المَدْرسَةِ إلى العَمَلِ الشاقِ..؛ واستعْجَلوا الزواجَ قبلَ استطاعَةِ الباءَةِ!
كان لهم بيتٌ من غرفتَيْنِ بلون الاسمنت المُعْتِمْ، ينامونَ فيه بأوقات مُخْتَلِفَةٍ، كلٌّ حسبَ ميقات حلمه، ومناوبَتِهِ العَمَليَّةِ. أحلامهم بسيطة: عشاءٌ دسمٌ يُعوِّضُ الطاقَةَ المهدورَةَ في 12 ساعة عمل، تفكيرٌ مؤرِّق إنْ كان في الخزانَةِ مكسورَةِ الباب قميص وبنطال طاهران يصلحانِ لصلاةِ الجمعَةِ، قلقٌ لا يستهانُ به على ضرورة الزواج المبكِّر والإنجاب السريع لولدٍ بكر يحملُ اسم جدِّه، قبل ابن عمه الموجود في ذهن أخيه على الفرشة المجاورة!
صارَ البَيْتُ بُيوتاً مِنْ أمامٍ ومِنْ خلفٍ، وبالطبع صعَدَ بيتان من السطح للأخوين الكَبيريْن. اكتظَّت الغرفُ المُنْخَفِضَةِ السقوف بأطفالٍ يَحْمِلونَ أسماءً عتيقَةً، وينْتَسِبُونَ إلى الأرقامِ الخفيفَةِ من 2000 إلى 2012، يتعلمونَ الضحكَ بلا سبَبٍ، ومناصرَةَ ابن العمِّ "ظالماً أو مظلوماً"، وشتمَ النساءِ حتى لو كُنَّ بدرجَةِ أُمٍّ أو أخْتٍ كَبيرَةٍ، يهابونَ الجدَّ العصبيَّ ساعة والحنونَ ساعتين، ويلعبونَ بلا رَهْبَةٍ بسلاحِهِ المَحْشوِّ رصاصاً حياً..؛ قد تخرجُ رصاصَةٌ تُصيبُ البابَ الحديديَّ للمطبَخِ، وتخطئُ بقدَر رحيمٍ العَمَّةَ الثلاثينية النائِمَةِ قُربَ القِدْر الضخم لطَهْوِ أكْلَةٍ تراثيَّةٍ!
يخرجُ الطفلُ المولودُ في العام 2000 من المدرسَةِ، لا يجِدُ معارضة سوى من الجَدَّةِ التي احتمَلْتْ خمسينَ شقاءً لإيمانِها أنَّ الجنَّةَ في النهايَةِ ستكونُ تحتَ قدميْها، يَموتُ الطفلُ المولودُ في العام 2007 لعلاج بكائه الغامض (بتدبير من الجدَّةِ الطامحة لحُسْنِ الخِتامْ) بحِجَابٍ سِحْريٍّ لتبديدِ الخَوْفِ من الأحلام المزعجة. تأتي بنتٌ في الربع الأول من العام 2011 بالتزامن مع تعرُّضِ أحدِ أعمامها لإصابَةِ عمَلٍ قاتلة، فيقترحُ العمُّ الوحيدُ الذي حصَلَ على "توجيهي راسب" تسميَتَها "كفاية"، وفي البيوتِ الرطبة كلها يكونُ نداؤها "البومة"!
تهرولُ الأرقامُ إلى الأمامِ..؛ ويتطلَّبُ ذلك أنْ تجاريها العائلة، فازدادَت عائلةً صغيرَةً بزواجٍ آخر العزَّاب، وزوجة ثانية للبِكْر، وحفيدات جِئْنَ بشكلٍ فائضٍ في سبيل "الولد". ودخلت البيوتُ بشكل تراتبي، حمولة الوقت الحضارية، فـ "الساتلايت" كان فرصَةً الأب لمعرفَةِ طريقَةِ شيخٍ موثوقٍ بفسخ زواج الجنيِّ من "البنت العانس"، والهاتفُ المحمولُ قفزة حضارية تمَّ تطويعها من الابن المتعثِّر أسرياً بفتاوى الطلاق التي لا تستدعي زواج المحلل قبلَ العودَةِ عن "ساعة الشيطان". دخَلَ في العام 2012 حاسوب أبيض ضخم إلى البيوت المتشابكة، وكان أول استخدام له البحثُ في محرِّك "Google" عن تصديق لوصفة "المشعوذ" لعلاج الحفيد "المُسْرطَنِ" بالملح الجاف!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »على هامش الالفية.!!!! (المتيم)

    الاثنين 16 كانون الثاني / يناير 2012.
    "كأنما الحياة مجرد ارقام تهرول الى الامام مفرغة من حمولة الوقت الحضارية...."والاكثر الما ان نصبح نحن عزيزي مجرد ارقام في هذه الحياة المفرغة اصلا من معنى الحياة فحق لنا ان نتمرد على الحياة ونتعلم الضحك من غير اسباب حتى لا تعلمنا هي البكاء مع كثير من الاسباب. تجربة تختزل في طياتها الم الماضي الذي مازال مستمرا....شكرا لك فأنت لاتكتب مقالا بل تبث مشاعر واحاسيس للقارئ نادرامايمتلكها كاتبا الا ّنادر ودمت بخير.
  • »يتعلمون الضحك بلا سبب !!!!!!!!!!! (المتيم)

    الاثنين 16 كانون الثاني / يناير 2012.
    "كأنما الحياة مجرد ارقام تهرول الى الامام مفرغة من حمولة الوقت الحضارية" صدقت عزيزي بل والاكثر الما عندما نصبح نحن مجرد ارقام في هذه الحياة المفرغةاصلا من معنى الحياة فتمردنا على هذه الحياة بالضحك بلا سبب خير من البكاء بكثير من الاسباب..................
    قدرتك الفائقة على نقل الواقع والذي اعتقد انه تجربة شخصية لك جعلت كل من قرأ المقال يعشون معك هذه التجربه وان دل هذا على شيء انما يدل على انك لاتكتب مقالا وانما تبث مشاعر وأحاسيس مرهفة نادرا مايمتلكها كاتب الاّ نادر فقدملكهاوملك قلوب قرائه
    ارجو الا تتأخر علينا فنحن بإنتظار ابداعك بارك الله فيك ودمت نادرا
  • »حزن شديد الألم (سعاد الياس)

    الأحد 15 كانون الثاني / يناير 2012.
    مقال رائع يختصر ألفية بكل ما في الكلمة من معنى بلغة راقية وإسلوب يخاطب الحاضر و الماضي ...... كتبت بكل جرأة.. يا لروعة تعابيرك و حسن إختيارك للموضوع ... بالتوفيق نادر
  • »دمت مبدعا (بلقيس كاظم)

    الأحد 15 كانون الثاني / يناير 2012.
    قالب فني جميل لواقع عربي مرير استمتعت بقراءة المقال ... اللغة جذبتني بكيفية توظيفك للكلمات وبعرض الفكرة المرادة بهذا الاسلوب . دمت مبدعا متميزا
  • »عائلة من الالفية الاولى (عفاف الصديق)

    الأحد 15 كانون الثاني / يناير 2012.
    انة واقع العالم العربي الذي يتعارك بين التخلف والحداثة والملفت اننا نقبل امورا ونبتعد عن اخرى نعتبرها انحلال وليس الا الوعي والعلم يكون الدواء ولو اخذ فترة طويلة من الزمن
  • »تلوينية الحداتة العربية (حياة اليعقوبي)

    الأحد 15 كانون الثاني / يناير 2012.
    شكرا نادر على هذا المقال الذي جمع بين الابداع الادبي والعمق الفكري الوعي بمشاكل العرب في تأسيس الحداثة وما يعيشونه من تناقضات حقيقية في واقعهم تؤشر بالمعاناة والوافع المرير حد الانتكاس . ننتظر منك قراءة أدبية للمشاريع التحديثية الفاشلة في ثقافتنا لعربية التى لم تستطع ان تتجاوز مستوى الشكل واالون دون الغوص في العمق
    . لعل الكتابة الادبية تكون الحافز من أجل محاولات جديدة للتحديث.
  • »هل هناك جزء ثاني؟ (ناديا)

    الأحد 15 كانون الثاني / يناير 2012.
    انتهت المقالة سريعا، كأن لها تكملة او جزء ثاني؟!!
  • »عائلة من الألفية الاولى (آمنة الحلبي)

    الأحد 15 كانون الثاني / يناير 2012.
    عائلة من الزمن الصعب بروح بسيطة ترفرف لتواكب الواقع .. محال.. كانت النقلة أسرع من إنجاب طفل على قارعة الطريق .. فوصل الحال إلى شقاء عربي تلقفته الحياة الطاحنة بعيدا عن راع مسؤول يعرف ماله وما عليه ..فثارت الاكوان .. على السلطان .. بعد العبادة والتبجيل .. من اجل كسرة حب في هذا الزمن الجليل ...
  • »عائلة من الالفية الاولى (ربيعة شما)

    الأحد 15 كانون الثاني / يناير 2012.
    قاسية يا نادر ولكنك كعادتك تثير الدهشة والكثير من الإعجاب
  • »رائعة (ليلى)

    الأحد 15 كانون الثاني / يناير 2012.
    وصف لمجتمع كامل لساته عايش
    سلمت يداك
  • »ألم شديد !!!! (الهام جمعة)

    الأحد 15 كانون الثاني / يناير 2012.
    يعتصرني الالم وانا اقرا معاناة الانسان وان كانت على الورق... جميل ما كتبت وهنيئاً لاحساسك المرهف.
  • »وسيبقى مثلهم حتى الألفية القادمة (Najo)

    الأحد 15 كانون الثاني / يناير 2012.
    سيبقى في عالمنا مثل هؤلاء حتى قدوم الالفية الجديدة طالما هناك فقر وجهل جميل ومؤثر مقالك ايها النادر, لك احترامي
  • »سرد رائع (رزان جابر)

    الأحد 15 كانون الثاني / يناير 2012.
    تلك العائلة تشكل فئة كبيرة للأسف ..نلومهم أم نحزن لهم ضريبة الألفيات التي لم يأتلفها البعض حتى الآن لعدم القدرة على التطور وهم يدفعون ثمن البيئة المتوارثة والقدرة المحدودة التطلع رغم قساوة واقعها لاتجاول أو تخاف التطور ربما .
    سردك رائع تجعلنا ندخل البيوت التي ترويها ونعيش معهم بعين رؤوف هذا عن نفسي وجودك خفي بيننا نادر
  • »عائلة شقية (كاميليا)

    الأحد 15 كانون الثاني / يناير 2012.
    عائلة شقيّة تتعثّر بخيوط العولمة التي لم تشأ الظروف أن تمدّ خطوط التواصل بينها..فغرقت في تراكمات المشاكل النابعة من؟؟؟لا اعلم من ماذا.. فمن فرط تعقيداتها لم أستطع تحديدها...
  • »رائعة (ayda)

    الأحد 15 كانون الثاني / يناير 2012.
    لا ادري ماذا اقول تحديدا نادر لكني عندما اقرا لك... اعيش الاحداث بصدق واتار بها ... لروعة تعابيرها وحسن اختيارك ,,, دام قلمك يا صديقي
  • »عتمة العانس (محمد التميمي)

    الأحد 15 كانون الثاني / يناير 2012.
    اسمح لي ان أقترح خاتمة:
    من بين كل هذا الركام البشري، لا بد ان هناك طفل صغير نسيته ابوه عند الجيران ذات مساء وتعرف على الموبايل واللاب توب والتكنولوجيا التي من عمل الشيطان وهاهو بدأ دعوة سرية للحداثة واستغل عمه الذي يحب مطاردة النساء ليقنعه ان الموبايل "الذكي" هو ما يجذبهن ويقنع عمته العنساء، الذي يتغاضى الجد عن بغض تصرفاتها فهي ضلع قاصر، ان "الفايسبوك" مكان يمكّنُها ان تتسوق منه العرسان. وتبدأ الحداثة تتسرب من بين الشقوق لهذا البيت...
  • »السلام عليكم (عبده الديري)

    الأحد 15 كانون الثاني / يناير 2012.
    يعطيك العافية أستاذ نادر
    قلمك رائع
    وأستمتع بمداعباته على الورق
    فشكرا لك
  • »قساوة الواقع (Ola)

    الأحد 15 كانون الثاني / يناير 2012.
    نسج رائع و كتابة محكمة كالعادة تأتي لتصور واقعا يغيب عنا لاننا لا نراه بام اعيننا و لكنه موجود بما يفوق اعتقادنا .. لا نستطيع لوم الجهل حين لا ينجب سوى الجهل لككنا نستطيع ان نلوم الذي اكرمه الله بالعلم و الوعي و المال لينتشل اخرين ... و مع ايماني ان كثيرا ممن يقرؤون هذا المقال لن يصدقوا ان مازال مجتمعنا يكتظ بهذه الاوضاع ..
  • »بالتوفيق يا رب (ديمة)

    الأحد 15 كانون الثاني / يناير 2012.
    قصة مختصرة و رائعة بكل معانيها