د.باسم الطويسي

أزمة الولاء للقيم الديمقراطية الوطنية

تم نشره في الأربعاء 28 كانون الأول / ديسمبر 2011. 03:00 صباحاً

التعبئة السياسية واحدة من أدوات إدارة المصالح في الحياة الديمقراطية، لكن على أن لا تتحول هذه التعبئة إلى العمق الاجتماعي والتحريض المتبادل، ونقل الانقسام في الشارع السياسي إلى التعبيرات الاجتماعية. وهذا للأسف ما نفعله في إدارة أزمات التعبير الديمقراطي المتكررة، وآخر أمثلتها الردود التي قدمت على حادثة المفرق وتداعياتها.
حالة الإرباك السائدة هذه الأيام في التعبيرعن المطالب وفي تصعيد خطاب الإصلاح بدون رؤية واضحة ذات عمق مجتمعي، مقابل محاولات نقل الانقسام السياسي النخبوي إلى المجتمع، تعبر بوضوح عن حجم فجوة غياب الكتلة الوطنية الديمقراطية المستقلة، والمتخلصة من أمراض الحياة السياسية المحلية وارتباطاتها الأخرى، والتي تحرص على تكريس الولاء للقيم الديمقراطية التي تخدم مرحلة التعلم الديمقراطي. لم نوفق في إنتاج "رأس المال الاجتماعي" الذي يشكل الأرض الخصبة للإصلاح في القيم والمعاني والإرادة المشتركة والتمأسس، أي تبلور "الجماعة الوطنية المدنية" التي تعمق استيعاب المجتمع للإصلاح، وتبني الثقة داخل المجتمع، وتحرص دائما على إبقاء خطابات الإصلاح والتنمية السياسية في دائرة الحكمة والعقلانية واستشعار المصالح الوطنية بحساسية واضحة.
في انتظار كتلة ديمقراطية مستقلة، تبدو أحوال الإصلاحيين في الأردن الأكثر مدعاة للكآبة في هذه اللحظة التي لا يحسدون عليها، لأنها إذ تفتح أوسع الأبواب للإصلاح، فإن هذه اللحظة  تفتقد الخطاب والرؤية والعمق المجتمعي، بمعنى القدرة على خلق الالتفاف المجتمعي حول رؤية إصلاحية واضحة، بعيدا عن الصراعات النخبوية التي تحتل المنابر كما تحتل المشهد. الكتلة التاريخية المنتظرة وحدها التي  تملك قدرة وإرادة الهدم والبناء معاً، وتستطيع تحمل آلام التغيير واستيعابها، وتتمكن من إعادة تأهيل النقد الذاتي على قواعد العقلانية، والوصول إلى الناس والدخول في اشتباك مع الحفائظ الداخلية والصور الذهنية والثقافة الشعبية. فأول مطالب الخروج من حالة الفصام في سياق حركة الإصلاح إدراك كنه العملية الإصلاحية بوجود كتلة مستقلة تمثل العمق المجتمعي.
في المجتمعات المتحولة، كما هو الحال في الأردن، يصعب الرهان على الإرادة الشعبية وحدها في ضمان الانتقال السلس والتجدد للنخب السياسية وبناء كتلة ديمقراطية مستقلة، بل يتطلب الأمر من الدولة التي تحتاج لحماية مصادر الاستقرار وتنويعها، أن تكون اللاعب الأساسي في تجديد القيم الجمعية، وفي تجديد النخب في كل مرحلة. ولعل هذا المطلب في الحالة الأردنية أحد مصادر الاستقرار الموضوعية الذي يجب الالتفات إليه بعد أن أفلس طيف واسع من النخب التقليدية بالإجابة عن أسئلة المجتمع والدولة ذاتها، في ضوء تقادم خبرات هذه النخب وعجزها عن التكيف الإيجابي مع المتغيرات.
أمامنا في الأردن فرصة يندر أن تتكرر لدى مجتمعات المنطقة الأخرى لبناء منظومة الولاء لقيم ديمقراطية وطنية عبر تجديد نخب المجتمع والدولة، والدخول في إصلاح فعلي بالاندماج في الهوية والديمقراطية والمشاركة والتنمية العادلة. وتعتمد هذه الفرصة على مصدرين: الأول، حركة التغيير الاجتماعي الاقتصادي السلسة أو الهادئة، على الرغم من كل ما يقال حول الجانب الاقتصادي. والمصدر الثاني، مدى قدرة الدولة على التعامل مع مرحلة تصفية الصراعات الإقليمية السائدة، وحاجاتها الحقيقية إلى المبادرة الداخلية لمصلحة الأهداف السابقة قبل أن تخضع لمزاج التصفيات الإقليمية الجارية في هذا الوقت ومصالح أطرافها.

التعليق