إعادة تأميم أصول الدولة

تم نشره في الثلاثاء 27 كانون الأول / ديسمبر 2011. 03:00 صباحاً

إلى أي درجة يمكن تصديق أن الحكومة ستقوم بإعادة شراء بعض أصولها؟ وهل كان قرار خصخصة بعض المشروعات خطأ لابد من العودة عنه، تحت ضغط  شعارات شعبوية يتم ترديدها؟
بداية، لابد من التذكير بأن إدارة القطاع العام أوصلت الدولة إلى أزمة طاحنة في بداية التسعينيات. تلك الإدارة التي نتباكى عليها اليوم ولّدت مديونية ما نزال ندفع ثمنها، بلغت في حينه 250 % من الناتج المحلي الإجمالي. وجاء قرار الخصخصة حينما ثبت أن الاستمرار في ذات النهج لم يعد ممكنا. والخيارات المتاحة حينها كانت محدودة؛ محاولة الإصلاح من الداخل والتي كانت غاية في الصعوبة، أو التخلي عن إدارة الدولة لمشروعات اقتصادية لصالح القطاع الخاص الأقدر على إدارتها.
إن بناء مصنع أو إدارة مشاريع نقل أو اتصالات أو تشييد مصانع اسمنت وزجاج ليست هي المهمات الرئيسية للدولة. وهذه قناعة لن يغيرها أن الطريقة التي تمت بها إدارة ملف الخصخصة هي الخطأ وليس المبدأ. وما يجب سؤاله هو: لماذا غابت الشفافية عن بعض عقود خصخصة بعض المشروعات العامة؟ وكيف كان يتم التسعير والبيع والتصرف اللاحق بعائدات الخصخصة؟
قطاعيا، كانت الخصخصة تتم بناء على قانون أقره مجلس النواب لتلك الغاية، ما يعني أنه لا يوجد شبه قانونية في الموضوع، وبيع بعض الأصول كان ضرورة لابد منها، فهل كان قطاع الاتصالات ناجحا قبل الخصخصة، وهل تطور القطاع وولد فرص عمل جديدة ووظف تكنولوجيا جديدة أم لا؟  فهل كانت خصخصة القطاع خطأ أم صوابا؟ هل يعرف معارضو الخصخصة حجم الضرائب التي تفرض على القطاع، ومدى مساهمته للخزينة؟ وهل كان الوضع قبل ذلك أفضل؟ وللتذكير، حين طرحت أسهم شركة الاتصالات للاكتتاب العامّ المحلي، لم تتم تغطيتها في السوق لولا تدخل الصندوق الاستثماري في الضمان الاجتماعي.
ننتقل إلى خصخصة شركة الإسمنت التي يتوقع أن تحقق خسائر هذا العام بسبب الظروف الإقليمية، ووجود عدد من الشركات المنافسة في السوق. ماذا كان سيحصل لو بقيت الشركة تخضع لملكية الدولة؛ هل كان الوضع سيكون أفضل؟ بالتأكيد لا، فليس هناك بوادر تشير إلى أن الشركة كانت ستحقق نقلات نوعية في مسارها بوجود الإدارة التقليدية للقطاع العام.
ذات الأمر ينطبق على أسهم الدولة في الناقل الوطني "الملكية الأردنية" التي يتوقع أنها ستحقق خسائر لهذا العام تقدر بنحو 40 مليون دينار، فهل ملكية الدولة وتدخلها سينقذان الشركة من مأزقها والصعوبات التي تعترضها؟
ننتقل إلى الشركات الرابحة، البوتاس والفوسفات، ويتناسى المتباكون على تلك الشركات أنها كانت تمر بمراحل صعبة ولا تحقق للخزينة أي عوائد. وإذا كان هناك إجحاف بحق الدولة فيما يخص رسوم التعدين، فهذا ما يجب العمل على تعديله، وليس النكوص عن منهج اقتصادي لم يكتمل يوما لنحاكمه.
خصخصة بعض المؤسسات كانت ضرورة لاستمرارها وتطويرها، ومهمة الدولة هي تشديد الرقابة وضمان عدم بيع الرخص والامتيازات في غرف مظلمة، بل إجراء حوارات معمقة حول المستقبل والنظام الضريبي الأمثل لنا في الأردن.
إن التعميم حول موضوع الخصخصة يخلط الحابل بالنابل. ومع الظروف الصعبة التي نمر بها، يجب عدم الهروب إلى الأمام والتعهد بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، بل صياغة أهداف تنموية تراعي الأبعاد الاجتماعية. والتحدي القائم في ظل عجز الموازنة والصعوبات المالية التي تواجه الدولة يتمثلان في كيفية إشراك القطاع الخاص في المشاريع المستقبلية وليس العكس.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هجوم اشتراكي ! (د.مصطفى شهبندر)

    الثلاثاء 27 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    معذرة لأني أدرجت تعليقي الذي يحمل العنوان المبين أعلاه ،تحت مقال الكاتبة زليخة أبو ريشة ، بدلا من ادراجه هنا ....
    ولكنني أعترض على بتر الجزء الأخير من تعليقي ، الذي أوضحت فيه الجوانب المنيرة من أداء شركة الاتصالات الأردنية ، حاليا ، مقارنة مع ( المصائب ) التي كانت قبل الخصخصة .
    مع كل الاحترام لرئيس التحرير وأسرة التحرير .
  • »الكفاءة أم العدالة أم الاثنين؟ (عمار)

    الثلاثاء 27 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    الخصخصة وتحرير الأسواق والتجارة تمثل بعض من أبرز وصفات صندوق النقد والبنك الدوليين في الدول العربية على مدى عقدين أو أكثر من الزمن. ومن الواضح الآن ان هذه السياسات تملك امكانات دعم الكفاءة والنمو الى حد معين، الا انها لا تكترث بالقدر المطلوب لهدف العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وتوزيع ثمار النمو الاقتصادي، كما تبين الآن ان العدالة لا تقل أهمية عن الكفاءة في تحقيق النمو القابل للاستمرار. السؤال الجوهري: هل بالامكان الجمع بين الهدفين (الكفاءة والعدالة) في اطار استراتيجية تنموية فعالة تتجاوز النموذجين الليبرالي والاشتراكي؟ ما دور النظم الاقتصادية الاسلامية في هذه الاستراتيجية الجديدة؟. أعتقد بأن المؤسسات الدولية معنية بالاجابة عن مثل هذه التساؤلات للحيلولة دون تكرار أخطاء الماضي والانجرار نحو المركزية الاقتصادية في العالم العربي.