الوضوح والإقناع

تم نشره في الجمعة 16 كانون الأول / ديسمبر 2011. 03:00 صباحاً

يعيش المجتمع الأردني مرحلة سياسية واقتصادية انتقالية استثنائية، تنطوي على كثير من التحديات اللامسبوقة، في ظل سيادة حالة من عدم الصبر لدى كثير من الأردنيين الذين يريدون أن يروا طحنا وقرارات تتقدم بالبلد لمآلات تحسّن مستوى المعيشة، وتسيطر على آفة الفساد، وتعيد الهيبة لمؤسسات الدولة والمصداقية للعملية السياسية الناظمة. الأردنيون يقفون اليوم ولسان حالهم يقول إنهم لن يقبلوا بشيء أقل من منجز متقدم وملموس، وأداء دولة رفيع ومقنع، وهم لن يتعايشوا مع أي مبرر مهما كان مقنعا لأي ضعف في الأداء أو سياسات لا تعي هواجسهم ومطالبهم التي طال انتظارها.
المرحلة حاسمة وإيجابية، وستؤدي لا محالة إلى أداء سياسي واقتصادي أرفع من قبل صناع القرار الذين يئنّون تحت ضغط شديد من رأي عام لن يبتاع مزيدا من الوعود. ولكن الخطورة في تقديري تكمن في انتشار قناعة أن المرحلة أيضا مرحلة "شاغب تُعُرف"، وأن جني المكتسبات لن يتحقق إلا إذا تمت ممارسة ضغوط من نوع ما على صناع القرار.
أن نطالب بأداء سياسي وإداري رفيع، وحقوق مشروعة وسياسات خلاّقة، شيء، وأن نمتهن "المطالبة" لأن المرحلة تسمح بذلك شيء آخر. فصناع القرار وإن أرادوا فإنهم لن يستطيعوا حكما أن يستجيبوا لكل المتطلبات المتزايدة من قبل فئات مختلفة من المجتمع الأردني.
انتشار هذه الظاهرة أدخلنا في حلقة مفرغة، تتمثل في إيثارنا الانحياز للريعية في ضوء واقع وطني استجاب لهذه الريعية بتقديم المزيد من المطالب والرغبات في تحسين مستوى المعيشة. وكلما زادت المطالب زاد توجهنا الريعي العام. ولذلك، فلن يمضي كثير من الوقت حتى تجد الدولة أنها غير قادرة على استدامة دورها الريعي المكلف.
التعامل مع هذا الوضع الوطني الحاسم والاستثنائي ليس مستحيلا، فالمواطن وفئات المجتمع الأردني سيعقلنون مطالبهم إذا ما رأوا أداء رفيعا من قبل صناع القرار، وعدالة وسرعة في الإنجاز. وهذا تماما هو المطلوب من صناع القرار على مختلف مستوياتهم. وبالتزامن، فالمسؤولية التاريخية كبيرة أيضا على عاتق النخب وصانعي الرأي العام في أن يقودوا مجتمعهم ويساعدوه على تحديد ما هي المطالب الممكنة والعقلانية، وأين يجب أن تقف، والأهم، أن يقوموا بتنوير المجتمع حول الآلية الفعالة والقانونية التي يمكن اتباعها من أجل إيصال الصوت وتحقيق المطالب. قادة الرأي معنيون أيضا بأن يدركوا تاريخية اللحظة الوطنية التي نعيش، وأن يقوموا بدور رديف يقترح الحلول وينقل نبض المجتمع بأمانة ودقة ويحدد مطالب فئات المجتمع المشروعة والقابلة للتحقيق وتلك التي تخرج عن سياق ذلك.
المسؤول الأردني ذو الأداء الرفيع لن يتردد في قول ما هي حدود المطالب التي يمكن له إنجازها، والأردنيون سيقبلون ذلك ويقتنعون به، أما المشكلة فتبقى في المسؤول الضعيف الذي إما أنه غير قادر على الإنجاز، أو أنه قد فقد مصداقيته لإقناع غيره بقدرته على عمل ذلك، والتعامل أو التعايش مع هذه النوعية من المسؤولين هو العائق الأكبر أمام مسعانا الإصلاحي الوطني الشامل.

mohammed.momani@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الوضوح والإقناع (حفظي الرفاعي)

    الجمعة 16 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    مقال وطني حصيف ومتميز ، نرفع قبعاتنا إجلالا" وإحتراما" له ولكاتبه في آن . مقال لامس شعاف وشغاف القلب الذي أدمي من مشاهدات وممارسات لا مهنية ولا أخلاقية .. تمارس بمنتهى الهرطقة من قبل ثلة من برامكة غرسوا في خاصرة الوطن غيلة وغدرا" .. وآن أوان إجتثاث جذورهم من أعماقها المتشبثة بقوة في عصب الدولة !؟ ; ونهاية موفقة بإمتياز لهذا المقال تتكفل بوضع مليون خط أحمر تحتها .. وتوجب وضع مليون علامة إستفهام وتعجب بعدها .. ولا يمكن بحال أن يحق ولأي كان أن يضع نقطة وفاصلة بعدها إلا بعد أن يشرع وعلى الفور من التخلص من أي مسؤول غير قادر على الإنجاز .. وفقد مصداقيته في إقناع غيره بقدرته على أي إنجاز ، بل إن إنجازه كله (سالبا") ويحاول جاهدا" تبرير فشله بإيجاد شماعات ليعلق عليها إخفاقاته المتتالية !؟...