عيسى الشعيبي

مغزى العقوبات العربية ضد سورية

تم نشره في الثلاثاء 29 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 03:00 صباحاً

أياً حاولت حزمة القرارات العقابية العربية تجنب إلحاق ضرر إضافي بحياة المواطنين السوريين المقهورين، وبدا تركيزها واضحاً على النظام المستهدف أساساً بهذه القرارات التي لا سابق لها في تاريخ الجامعة العربية، فليس من شك في أن تداعيات هذه التدابير المؤلمة سوف تمس حياة الناس الذين ترغب الجامعة في رفع سيف القمع الدموي عنهم، وهي في سبيلها إلى تحقيق ذلك تجد نفسها مكرهة على تصعيب أحوالهم المعيشية وزيادة حدة معاناتهم اليومية.
وهكذا، فقد بدا وزراء الخارجية العرب أنفسهم، وهم يمنحون المهل المتتالية للنظام المأزوم بفائض قوته العسكرية، في وضع أقرب ما يكون إلى وضع طبيب يعالج مريضاً مصاباً بالداء العضال، لا خيار أمامه، إن أراد تدمير الخلية السرطانية بالمادة الإشعاعية، سوى تعريض بعض الخلايا السليمة إلى مخاطر جزئية إذا لم يكن بد من استئصال الداء الخبيث.
بهذا المعنى يمكن فهم حزمة العقوبات الاقتصادية المتخذة تحت ضغط رأي عام عربي بات غير متسامح مع القتلة، وعلى أساسه يمكن أيضاً تسويغ الأضرار الجانبية التي ستلحق بشعب استباح النظام القمعي المتوحش دماءه وأعراضه وممتلكاته، الأمر الذي يفسر أسباب تسامح قادة المعارضة السورية، في الداخل والخارج، مع هذه القرارات القاسية وتفهمهم لها، إن لم نقل الترحيب بها علناً.
وعليه، فإن المغزى السياسي الكامن وراء هذه العقوبات الاقتصادية، التي تطال الجميع وتثقل عليهم أكثر فأكثر، أشد أهمية بكثير من غيره، حيث يشير هذا المغزى إلى أن النظام الرسمي العربي قد قطع بعد تردد طويل مع آل الأسد، وأن العالم العربي قد بات على اقتناع تام ونهائي أن الحكم الاستبدادي في دمشق قد دخل في مرحلة العد العكسي لبقائه، وأن المأزق الذي وصل إليه وارث جمهورية الخوف والصمت بات مستعصياً على الشفاء إلا بالكيّ، بعد أن أفلس أخلاقياً وشرعياً وصار في واقع الأمر جزءاً من المشكلة وليس من الحل.
وإذا مضينا أكثر في تقليب مغزى هذه القرارات، فإنه يمكن الاستنتاج أيضاً أن العرب قد رفعوا الغطاء تماماً عن النظام السوري، وساروا خطوة باتجاه الانضواء في إطار ترتيبات إقليمية ودولية واسعة، من شأنها اختصار مدة الألم، وتقصير موعد ولادة المرحلة الانتقالية في أواخر الشهر التاسع من زمن الحمل الذي بلغته الآن الثورة الشعبية السورية.
ولعل ردة الفعل الأولية الهستيرية للناطقين باسم النظام الذي فقد صوابه، وما تلهج به ألسنة المتحدثين من قلب العروبة النابض، من تفوهات ترقى إلى درجة الردح للعرب "الجرب" وللأمة البدوية "المنحطة" تشرح على نحو بليغ شدة ذهول النظام من هول المفاجأة، وصدمته العميقة إزاء مثل هذا التحول الانعطافي في موقف العرب المجاملين له في العادة، وكأنه كان على ثقة وطيدة أن مراوغاته السابقة وأحابيله المعهودة كافية لشراء ما يحتاجه من وقت إضافي لإنهاء الثورة الشعبية المتعاظمة عبر خيار القمع والقوة العسكرية الغاشمة.
ومن غير أن نقلل من آثار هذه القرارات على قاعدة النظام القمعي المتوحش وتحالفاته الداخلية، ومن دون أن نبالغ، بالمقابل، في تبيان مضاعفاتها المحتملة على آلته العسكرية وقدراته التمويلية، فإن مما لا شك فيه أن المغزى السياسي الكامن في هذه القرارات هو أكثر أهمية من المدلول الاقتصادي المباشر، لاسيما وأن هذه الحزمة من التدابير ما هي إلا فاتحة أعرض لسلسلة أخرى من عقوبات إقليمية ودولية مرتقبة، أشد وقعاً وأعمق أثراً على مستقبل نظام جدع أنفه بيده، وقوض مقومات استمراره بنفسه.

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق