أربعة أيام هزت مصر

تم نشره في الخميس 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 02:00 صباحاً

جاءت الطريقة العنيفة التي تم بها قمع المحتجين المصريين في ميدان التحرير صادمة لكثير من المراقبين، ولكنها ليست مفاجئة.
منذ إجبار حسني مبارك على التنحي، تولى المجلس العسكري إدارة دفة البلاد في المرحلة الانتقالية، على أمل أن تسلم السلطة للهيئات المدنية المنتخبة. وكنتيجة لذلك، لقي المجلس العسكري كل الدعم والتقدير والاحترام.
ولكن منذ ذلك الحين، وبعد أن تم إنجاز إجراءات من ضمنها الاستفتاء على الدستور الجديد وتحديد موعد للانتخابات البرلمانية، بدأ المجلس العسكري يتصرف وكأنه باقٍ لفترة طويلة. ونتيجة لذلك بدأ يرتب أوراقه لتدعيم سلطته، وإعادة إنتاج سلطة عسكرية في مصر، ما أدى إلى وضعه على خط المواجهة مع مختلف التيارات، والتي تمخض عنها بعض الصدامات خلال الفترة الماضية. بالإضافة إلى ذلك، يشعر العديد من المصريين بأن شيئاً إيجابياً لم يحدث حتى الآن، لا بل إن الأمور ازدادت سوءاً عما كانت عليه في السابق.
بداية، سادت في مصر درجة عالية من الفلتان الأمني مع عودة هيمنة وسلطة الأمن المصري، وما قام به من مضايقات واعتقالات لناشطي الثورة. وتجدد العنف والاشتباكات مع المتظاهرين الشباب في ميدان التحرير، والتي نتج عنها عشرات القتلى وآلاف الجرحى خلال الأيام الماضية، بات يهدد الانتخابات البرلمانية المقبلة.
كذلك، فإن العنف الذي شهدناه في ميدان التحرير في الأيام الماضية وطيلة الفترة الانتقالية بات يهدد الوحدة الوطنية في مصر، سواء أكان ذلك على أسس سياسية أم اجتماعية. كما يزيد من تفاقم الأوضاع هناك الانقسامات الحالية والمرشحة للزيادة بسبب نية بعض الأحزاب السياسية الليبرالية مقاطعة الانتخابات المقبلة في الثامن من الشهر القادم.
إن أحد الأسباب الرئيسية للتوتر الذي يسود الشارع السياسي في مصر، هو الدور الذي يحاول المجلس العسكري في مصر أن يفصّله لنفسه في المرحلة المقبلة من خلال الورقة الدستورية التي كان ينوي الإعلان عنها قبل الانتخابات البرلمانية المقبلة، وأهم ما فيها حفظ مكانة العسكر في الدولة من خلال مبدأ دستوري يجعله غير خاضع للمساءلة البرلمانية، ويعطيه صلاحيات للتدخل في الحياة السياسية، ويحد من قدرة الإسلاميين على تغيير النظام السياسي. ويبدو أن الجيش ينظر إلى النموذج التركي في هذه الحالة، إذ إن الدستور هناك منح وما يزال المؤسسة العسكرية صلاحيات ضخمة. هذا هو السبب الرئيسي الذي أدى إلى  دعوة الإسلاميين للتظاهر يوم الجمعة الماضي، والذي شاركت فيه كل القوى السياسية، ولكن في نهاية اليوم غادر الإسلاميون وبقي شباب الثورة من التيارات المختلفة. وليس من المستبعد أن يؤدي ذلك إلى قيام تحالفات جديدة، سواء أكان ذلك بين الأحزاب والقوى السياسية أم بين المجلس العسكري وبعض القوى السياسية، وخاصة الإسلاميين.
إن انسحاب الإخوان المسلمين من ميدان التحرير وعدم مشاركتهم بالاعتصام الحالي هناك يدل على أن الإخوان لا يرغبون في أن يدخلوا معركة كسر عظم مع المجلس العسكري، لا بل على العكس، فقد تشهد المرحلة المقبلة تحالفاً مرحلياً بين الإخوان المسلمين والمجلس العسكري ضمن صفقة معينة.
لقد أثبتت أحداث الأيام الأربعة الماضية التي هزت مصر، ووضعت الثورة على مفترق طريق، أن جذوة الثورة في مصر ما تزال متقدة ومستمرة، وبالإمكان استئنافها بعد أن اعتقد البعض أنها أجهضت أو أنها على طريق الإجهاض.

التعليق