د.باسم الطويسي

اعتصام وسط الصحراء

تم نشره في الأربعاء 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الأربعاء 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 02:07 مـساءً

الاعتصام الذي ينفذه نحو 450 عاطلاً عن العمل من أبناء بلدة الجفر في عرض الصحراء الجنوبية الشرقية، أصاب شركة مصانع الفوسفات الأردنية، وشبكة من مصانع الأسمدة المرتبطة بها وعددها نحو 23 مصنعاً، بحالة شبه شلل، بينما ما يزال التعامل الإعلامي مع الموضوع يمس الحدث من الخارج بخجل، فيما يتوارى التعامل الرسمي ولا يكاد يذكر.
مفارقة الجفر مؤلمة وكاشفة لحجم الاختلالات التي ارتكبتها سياسات قاصرة وغير مسؤولة على مدى عقود. وفي الوقت الذي لا يجوز بأي حال من الأحوال تعطيل عجلة الإنتاج وإيقاف شبكة تعد الأكبر من المصانع الاستخراجية، وذلك بقطع الكهرباء والماء عن خزانات مياه مصانع الشركة، فإن هؤلاء الشباب لهم كل الحق والأولوية في الاستفادة من الموارد المحيطة بهم، بل إن الحدث يكشف بقوة عن مصادر الاحتقان العميقة لهذه المجتمعات التي تعتقد أن مواردها نهبت ولم يوظف الحد الأدنى المعقول من عوائد هذه الموارد لتحسين نوعية الحياة، بدءاً بأبسط الحقوق المتمثلة في توفير العمل الكريم وسط غابة من المصانع التي تعج بعشرات الجنسيات من العمالة.
لقد دفعت المجتمعات المحلية في الجنوب الثمن غالياً على مدى عقود من الآثار البيئية والاقتصادية السلبية للصناعات الاستخراجية التي لا تتوقف على الفوسفات والأسمدة، بل وتمتد إلى الإسمنت وأخيراً النحاس، إلى جانب مشاريع أخرى لم تقدم إضافة حقيقية على نوعية حياة المجتمعات المحلية، وعلى رأسها حل مشكلة العمل. فقد دمرت هذه المصانع، على مدى عقود، المراعي وعطلت فرص استصلاح الأراضي واستنفدت الموارد والمياه الجوفية، وأصبحت البيئة المحلية لهذه المجتمعات في بعض المناطق غير صالحة للحياة البشرية، بينما بقيت تلك الشركات في جزر معزولة عن المجتمعات، ولم تتقدم بمنظور تنموي جاد سوى الاسترضاء لبعض القوى الاجتماعية ومراكز النفوذ.
ترتبط الجفر في الذاكرة الوطنية الأردنية بالسجن العتيق الذي أنضج الوطنية الأردنية المعاصرة في ذات زمن أردني، والذي أمر جلالة الملك بتحويله إلى مركز للتدريب والتأهيل. وفي الحقيقة، ترتبط الجفر بذاكرة أغنى من السجن. فمنها بدأت البذور الأولى لخميرة الدولة الأردنية؛ فيها تجمعت القبائل الأردنية وصاغت فيما بينها أول حروف العقد الاجتماعي مع الدولة، ومن باير والجفر بدأت نواة الجيش العربي في الربع الأول من القرن الماضي.
ولأن الغناء على التاريخ أو البكاء عليه سواء لا يفيد، فإن الإهمال الذي واجهته هذه المنطقة يعني الكثير. فبالعودة إلى وثائق الرحالة الذين زاروا الصحراء الشرقية الجنوبية ومركزها الجفر، نجدهم يعدون آلاف البيوت والخيم المتناثرة، والتي تعني حسب معادلة مالتوس في السكان بأنه من المفترض أن تكون الجفر اليوم مدينة أردنية وحاضرة عامرة، لا مجرد محطة مغبرة على طريق مصانع الفوسفات وأتربتها.
ثمة أزمة عميقة في إدارة الاحتجاج المحلي تحتاج الحفر العميق في الأسباب والنتائج، وفي علاقة السوق بالدولة قبل المجتمع بالدولة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ما وراء الاعتصام (عايده مهاجر ابوتاية)

    الأربعاء 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2011.
    ان الحاجه والعوز والاحساس بالظلم والاهمال هو وحده الذي يقف وراء حركة الاعتصام هذه ، وليس التقليد او الترف ، ان هذه المنطقة التاريخية في حضورها ودورها وجغرافيتها ، هي ايضا تاريخية في ما تعانية من مشاكل الفقر والبطاله والعزله الاجتماعية . اتمنى ان يتم التعامل مع هذه الاعتصامات بما يساهم فعليا في تحقيق تنمية مستدامه للمنطقة وان لا يكون التعامل معها سطحيا ، بمعنى ان تدرس المطالب والالولويات ويتم تقدير الالولويات بما يحقق مصلحة الفرد والمجتمع .
  • »صدقت يادكتور (سامي الحويطات)

    الأربعاء 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2011.
    نعم لقد اهملت منطقتنا من قبل اغلب المسؤولين الذين كل منهم يزيح النار على قرصه هذا الفراغ الكبير وهذا الاهمال الكبير من قبل المسؤولين اصبحت منطقتنا مهمشه هذه الارض التي انجبت الابطال الذين اسسو بدايات الدولة الاردنية وكان اول رجل انتسب الى جيشها هو من هذه المنطقة انتشر الفقر ولا مبالاة هجرها اهلها ولم يبق الا الصابرين وانشاء الله يعود اهلها معززين مكرمين كما كانوا ولن نصمت او نخجل من مطالبتنا بحقوقنا نحن الذين صبرنا على المر والحلو ولكن للصبر حدود شكرا دكتورنا الفاضل لعلنا نسمع اذانا صاغية.
  • »اهمال غير مسؤول (A.Z)

    الأربعاء 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2011.
    اتمنى من الجهات المسؤولة ان تعيد النظر في الاهتمام بمنطقة الجفر والحاجة الى مواردها واستثماراتها فبدلا من ان تصبح منطقة مأهولة لأهميتها ونعتني بساكنيها لأنهم عمال المصانع فيها نقوم بردمها او دفنها .....
    يجب ان نتعلم كيفية المحافظة على مواردنا وانتاجاتنا بدلا من تخريبها بأيدينا
  • »مين اللي بدو يشتغل (Sami)

    الأربعاء 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2011.
    اي مستثمر او صاحب عمل اكيد اسهل له بكثير و اوفر انه يعين ابناء المنطقه بدل ما يستقدم عماله, بشرط ان يكون ابناء المنطقة مؤهلين و لديهم الرغبة الحقيقية في العمل و الالتزام باوقات العمل و حد ادنى من الانتاجية, مش كلهم بدهم يشتغلوا مراقبين و حراس و ومشرفين و موظفين أمن!! و الى رح تتحول المصانع و الشركات لبلديات فيها 80 واحد يردو عالتلفون!