مكانة الأردن وسط الربيع العربي

تم نشره في الثلاثاء 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 03:00 صباحاً

بعكس ما قد يشاع بين وقت وآخر، فإن الربيع العربي يقدم للأردن منحة سياسية تاريخية بامتياز لاستعادة مكانته ودوره الإقليمي اللذين تراجعا إثر تداعيات حرب احتلال العراق، وتراجع مكانة القضية الفلسطينية وقدرته على التأثير في مساراتها. هذه المنحة التاريخية إذا ما أحسن التعامل معها واستثمارها ستجعل من الأردن أحد مفاتيح الحلول الثمينة في إقليم رخو ووسط دول تولد من جديد، في وقت تراجعت وغابت فيه دول إقليمية مؤثرة. سيجد الأردن نفسه مطلوبا لأدوار لا تفرض عليه ولا يسعى إليها، بل هي استحقاق لمكانة سياسية إذا ما استجاب لإصلاحات سياسية هادئة تقوم على ترتيب جبهته الداخلية وإعادة تعريف مفهوم الاستقرار على أسس المواطنة والعدالة التنموية.
الدور الأردني سيكون حاجة استراتيجية لمثلث دول السيطرة والتأثير في الإقليم؛ الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. حيث تُعلمنا الخبرات التاريخية كيف تتصرف هذه القوى في اللحظات الفاصلة، وستجد الولايات المتحدة وغيرها أنها بحاجة أكثر للدور الأردني، سياسيا ولوجستيا وأمنيا، في إعادة صياغة الاستقرار في مجتمعات النظم الجديدة.
علاوة على إشارات متعددة تدل على الرغبة لدى أطراف أخرى بدخول الأردن في نظم أمن جماعي في المنطقة، كما هو الحال في إعادة البناء والتنمية، وفي العملية السياسية أيضا. مصادر استعادة هذه المكانة ترتبط باستكمال بناء النموذج الأردني في الديمقراطية والتنمية؛ أي استكمال بناء عناصر قوة الدولة. ومعظم هذه العناصر في هذه المرحلة داخلية.
استراتيجيا وتاريخيا تتحول الولايات المتحدة إلى مصدر تهديد لمصير الأردن إذا ما وصلت إلى قناعة بعدم تماسك الجبهة الداخلية من جهة، وإذا ما تطابقت الأجندة الأميركية مع الأجندة الإسرائيلية فيما يتعلق بمستقبل الأردن ومصيره من جهة أخرى. وهذا غير وارد لا في المدى القريب ولا المنظور، فقد علمنا الحراك الشعبي الأردني على مدى هذه الشهور الطويلة، ولأول مرة، مدى التزام المجتمع بقيم الدولة واستعداده للتضحية من أجلها.
هذا يثبت أن الأدوات التقليدية وعتادها القديم لم تعد نافعة في الانتقال من معادلة الاستقرار الهش إلى تصدير النموذج وتحقيق قيمة مضافة لمكانة الدولة وعناصر قوتها. وعمليا، يفترض أن عملية الانتقال تحتاج إلى إجراءات وتفاهمات تاريخية تكمن في ثلاثة عناوين أساسية، تنتقل من الغموض التاريخي واللعب في المنطقة الرمادية إلى الوضوح الاستراتيجي، وهي: أولا، منهج جديد في بناء عدالة التنمية وتوزيع الثروات في المجتمع، وحسم كل ما يتردد حول المواطنة، بالالتزام بمبدأ أن الدولة لكل مواطنيها. وثانيا، إعادة تأهيل الحركة الإسلامية لتبقى جزءا من الدولة الأردنية بالمشاركة والاندماج والتكامل السياسي. وثالثا، إعادة صياغة التعريف الاستراتيجي للعلاقة مع إسرائيل في ضوء تنامي التطرف السياسي الإسرائيلي، وتحديد مستقبل موقف الأردن من التسوية ومصير القضية الفلسطينية. مارس الأردن على مدى ثلاثة عقود الغموض السياسي في ملفين من تلك الملفات، والإهمال وعدم الاهتمام في الملف الآخر. وعلى قدر ما خدمت تلك الاستراتيجية الدولة في بعض المراحل وسمحت للنظام السياسي بالمناورة الواسعة، فإن استمرارها يعد اليوم مقتلا حقيقيا، والخروج منها هو الأساس المتين ليس لعبور هذه المرحلة بل لفرض المكانة والدور الجديدين.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق