أميركا تتوازن ونتنياهو يكذب

تم نشره في الاثنين 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 03:00 صباحاً

إذا صحت الأنباء عن نية الكونغرس "استئناف" تقديم المساعدات للفلسطينيين، فقد فعل حسنا، واتخذ قرارا عقلانيا بات نادر الحدوث في ظل حالة الجنون السياسي التي خلقها نتنياهو بعقل سياسي مؤدلج ومليء بالشر. القرار يؤشر على رغبة لدى صناع القرار الأميركيين بالابتعاد النسبي عن سياسات نتنياهو اللاعقلانية والتي تدفع الإقليم إلى المجهول الكارثي، كما يأتي أيضا تصحيحا لقرار أميركا إيقاف الدعم المالي لليونسكو الذي اعتبره كثيرون لا يليق بدولة عظمى، وقد أضر بمصداقية قياديتها الدولية ومصالحها الاستراتيجية.
استئناف دعم السلطة الفلسطينية ترسيخ لمصلحة أميركا في سلطة وطنية قوية وفعالة ومعتدلة، وهذا لن يتسنى دون دعم مادي بفقدانه ستضمحل قدرة السلطة على الاستمرار والحفاظ على الأمن. من أجل ذلك شككنا منذ البداية بأن تستمر أميركا في قطع الدعم المادي عن السلطة، لأنها سياسة لا تتماهى مع مصالحها ومصالح حليفتها إسرائيل، وبالبناء على هذا المنطق، فالأرجح أن الولايات المتحدة ستعود عن قرارها وقف تمويل اليونسكو، لأنه أيضا لا يتماهى مع مصالحها ولن يضر بأحد أكثر من إضراره بالمصالح الأميركية.
الاستدارة الأميركية، إن أمكن وصفها بذلك، مهمة ومنطقية. ولكن من العبث توقع سلوك سياسي شبيه من قبل نتنياهو: سلوك يفهم أهمية السلطة إن لم نقل أهمية إحقاق الدولة الفلسطينية، ويرى أن ذلك بات مصلحة إسرائيلية إستراتيجية، تماما كما أنه عنوان للكفاح السياسي الفلسطيني. هذا ما خلص إليه شارون وكثير من قادة إسرائيل اليمينيين قبل اليساريين. نتنياهو مختلف عن كل قادة إسرائيل؛ فهو منعدم البصيرة السياسية ويتصرف كالمحافظين الجدد بتطرف ديني ينظر للنزاع من زاوية تقر بحتمية الصراع والاقتتال من أجل عودة المسيح المنتظر أو المسايا. هذا هو الشريك الإسرائيلي الذي نتعامل معه، لذلك فهو عن سبق إصرار يهيئ لكوارث ومصادمات خدمة لمعتقداته الدينية المتطرفة.
لا أعتقد أن أحدا قد أضر بإسرائيل كما فعل نتنياهو، فقد استنزف رصيد بلاده الدولي وكثيرا من مصداقيتها، وستدفع حكومات إسرائيل القادمة ثمنا كبيرا جراء ذلك، وستكون مضطرة لترميم كثير من مصداقية بلدها الدولية.
مجرد أن يوصف نتنياهو "بالكاذب" من قبل أقرب حلفاء إسرائيل الدوليين مؤشر على المستوى الهائل من اللااحترام الذي يحظى به نتنياهو. وهذا بالتأكيد يؤثر على حضور بلده الدولي، هو يستنزف رصيد بلده لدى أهم حليف وهو الولايات المتحدة، التي أصبح رأيها العام وطبقة السياسيين القوميين فيها أقرب ما يمكن للكفر بإسرائيل والتحالف معها، خاصة في ضوء التأثير الكبير والمستفز ربما في الانتخابات الأميركية. الأميركيون أصبحوا يتحدثون بلغتين عن إسرائيل؛ واحدة في السر تنتقد إسرائيل وسياساتها، وأخرى في العلن أكثر إيجابية لأسباب انتخابية.
سياسات نتنياهو تدفع الجميع نحو التصعيد، وهي تهيئ لكوارث إقليمية لأن كل هذا الاستفزاز من قبل نتنياهو لا يمكن أن يمر دون نتائج ولو بعد حين. هذا ما يقوله التاريخ وأبجديات السياسة التي لا يبدو نتنياهو مدركا لأبسط تجاذباتها، لأنه ما يزال يتصرف وكأنه في فراغ سياسي لا يقوى أحد على مجابهته به، لا في الإقليم ولا حتى في أميركا.

mohammed.momani@alghad.jo

التعليق