معنى الدولة المدنية

تم نشره في الأحد 13 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 03:00 صباحاً

ارتبط مفهوم الدولة المدنية بالتطور الرأسمالي في أوروبا، حيث أعيدت صياغة الأفكار انطلاقاً من محورية الفرد، وبالتالي أعيدت صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع انطلاقاً من ذلك. ومن ثم، ومع تطور الصناعة، جرت عملية طويلة من إعادة تشكيل الوعي المجتمعي تأسيساً على هذا المفصل، وارتباطاً بأن الفرد هو الذي يصنع تاريخه. كما جرى تشكيل الدولة والسلطة بما يجعلهما (على الأقل نظرياً) تخضعان لإرادة الأفراد (أي الشعب)، فتأسست الدولة الحديثة: الديمقراطية والعلمانية التي تستند إلى مبدأ المواطنة والمساواة بين المواطنين من دون تمييز على أساس الدين أو الجنس أو القومية.
وبالتالي، ما يمكن قوله باختصار هو أن الدولة المدنية هي الدولة التي تقوم على إرادة الشعب، أي على ما يقرره الشعب من دساتير أو قوانين. وبالتالي ليس من إرادة أخرى غيرها، بحيث تستطيع أن تقرر وأن تلغي إذا توضح بأن الواقع يفرض قوانين أو دساتير جديدة، من دون مرجعية أخرى غير الشعب.
والشعب هنا هو الأفراد المعترف بهم كمواطنين، أي أن الشعب هو أفراد تجمعهم صفة المواطنة، وليس أي صفة أخرى، لا القبلية والمناطقية ولا الدينية ولا الطائفية ولا الإثنية ولا الجنسية. حيث يكون هؤلاء متساوين في علاقتهم بالدولة وفيما بينهم، وأمام القانون وفي النشاط السياسي.
وبالتالي تكون الدولة ديمقراطية تقرر الحريات العامة (الرأي والصحافة والأحزاب والنقابات والاحتجاج)، وتفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية. برلمانية تحكمها الانتخابات. وتفصل الدين عن الدولة لكنها تقرر الحق في ممارسة الشعائر الدينية، وتساوي بين الأديان. وتنطلق من إقرار قانون مدني للأحوال الشخصية يساوي بين الجنسين، ويحدد العلاقات التي تتعلق بالعائلة والإرث.
الدولة المدنية بالتالي تُطرح كتجاوز لطبيعة الدولة التي تشكلت في القرون الوسطى، والتي كانت تعتمد السلطة المطلقة لفرد، والذي بدوره يتعامل مع الشعب كرعايا (أي كملكية له)، مستنداً إلى إرادة فوق بشرية، تعتمد الدين مدخلاً لتثبيت السلطة والمستبدة، والتي كانت تنطلق من أن لا حق للشعب سوى طاعة الحاكم الذي يقارب الصفة الإلهية. هنا انتقلت المسألة من سلطة المطلق إلى سلطة "الملموس"، أي البشر أنفسهم.
ضرورة تحديد المعنى في هذا الوقت يرتبط بكل اللغط الذي يدور حوله منذ أن فرضت الثورة المصرية هذا المفهوم كهدف لها. ولما كانت جماعة الإخوان المسلمين غير قادرة على رفضه، فقد عملت على "إخضاعه" لمنطقها عبر التأكيد على أنها تتبنى الدولة المدنية "بمرجعية إسلامية"، وهو الأمر الذي فرض "تحللاً" منه من قبل اليسار والعلمانيين على أساس أنه هروب من هدف الدولة العلمانية. لكن منطق الإخوان يعني تأسيس دولة دينية لأن الدولة المدنية كما هو واضح مرجعيتها الشعب فقط، وليس أي نص ديني. وهي غير قابلة لأن "يفرض الشعب" تبني الشريعة كدستور أو حتى كمصدر للتشريع، لأنها حينها تصبح دولة دينية، حيث يلغي الشعب ذاته.
الدولة المدنية هي تجاوز للدولة الدينية كما هي تجاوز للدولة العسكرية.

salameh.kaileh@alghad.jo

التعليق