السوريون الأقل حظا!

تم نشره في السبت 12 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 03:00 صباحاً

يبدو أن النظام الملتصق بالكرسي في جارتنا الشمالية ينوي إعادة الشعب السوري إلى تاريخ غابر يعيد إنتاج العبودية وعلاقة التبعية بين الحاكم والمحكوم على قاعدة "اما أنا أو الفناء.."، غير أن عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء.
لا يتكرر كثيرا في التاريخ الانساني أن يستبيح شخص واحد – أيا كان هذا الشخص – شعبا بأكمله في اقتصاده وماله وقبل ذلك في دمه وحياته وهويته الإنسانية، وكلفة هذه الاستباحة بقاء هذا الشخص بكل اخطائه وعبثه على كرسي وفق علاقة تمعن في الإساءة إلى كرامة الشعب السوري، وهو الشعب الذي استفاق على حلم الثورة والحرية للخلاص من نظام طال أمد ظلمه، وهو اليوم ينازع في لحظاته الأخيرة قبيل اسدال الستارة على قصة الظلم تلك.
نظرة تقييمية عاجلة للاقتصاد السوري الذي يصل حجمه الى خمسين بليون دولار، تكشف أن الرأس الذي يدير هذا الاقتصاد يحابي الأثرياء ويزدري عموم السوريين، فجل أثرياء سورية من أقارب الأسد والمحسوبين على النظام والفاسدين "الكبار" بلغوا الصفر التاسع في ارصدتهم المصرفية قبل سنوات خلت، وترصد منظمة الشفافية الدولية فسادا ممنهجا في سورية يقوده النظام على نحو مكشوف ويدفع ثمنه شعب بأكمله يعد الأقل على مستوى المنطقة ضمن مستوى دخل الفرد.
واذا سألنا، لماذا يذوي حظ المواطن السوري ليكون الاقل حظا بين شعوب المنطقة والاقل دخلا؟ فإن الإجابة تكمن في نهج النظام وعبثه بمقدرات الدولة التي تعد مواردها الطبيعية كبيرة وهمة أبنائها أكبر، لكن قرار نظام التوريث من الأب الى الابن بقي وفق نهج التجويع والاذلال وكل ما من شأنه أن يجعل المواطن السوري في مركز متدن سواء على الصعيد الاقتصادي أو حتى الاجتماعي.
مقومات النجاح الاقتصادي يفترض أن تكون أكبر في سورية مقارنة بلبنان والأردن، ولكن دخل الفرد في بيروت وعمان يتضاعف مقارنة بدخل الفرد في دمشق الذي لا يتعدى ألفي دولار في السنة، ولا يحالف الحكم هناك إلا الفشل في التخطيط والتنفيذ على المستوى الاقتصادي، فالاصلاحات التي سرت على نحو خجول منتصف العقد الماضي كانت تحابي الاثرياء ولم ينفذ منها ما يساعد على تحسين حياة الناس في شام التجارة والانفتاح، ولا سمة حقيقية للاقتصاد إلا شكل الخدمات وفي حدوده الدنيا اما الزراعة والصناعة فهي في مراتب متأخرة بالنسبة لنظام الابن، إذ إن يد الفساد تتحرك بشكل مريح في ظل سوق الخدمات، ولا يمكن الجزم بأن الاقتصاد السوري في عهد بشار الاسد كان شموليا أو حرا، انه اقتصاد فاسد ويقزم الشام وأهلها بحجم ثلة من الفاسدين من أقارب ومحاسيب النظام وأزلامه.
فساد الاقتصاد لا يقف عند التهرب الضريبي وإمساك الرئيس وأقاربه بمفاتيح الثروة، بل انه يتعداه إلى أن البلاد بأسرها أمست في وقت سابق لثورة الحرية في سورية ممسوكة بيد رامي مخلوف وعدد من اصحاب النفوذ الذين لا تطالهم الرقابة ويعيثون فسادا في بلاد كان من المفروض أن يكون اقتصادها منافسا حقيقيا للاقتصادين التركي والسوري في المنطقة.
ثمن تغيير تلك الحالة الرثة باهظ ودونه الارواح والدموع واكل الخبز الناشف مغمسا بمياه غير صالحة للشرب كما يفعل الأسد بأهالي درعا المحاصرين منذ عدة شهور، وحالة الصمود التي بلغتها الرستن وحمص وحماة وريف دمشق ودير الزور وقبلهم جميعا درعا -مهد الثورة- انطوت على معاناة قاسية في المأكل والمشرب وفي رحلة البحث عن اوكسجين الحرية من نظام فاسد خنق الشعب طويلا تحت مسميات واهية، لا يصدقها نجلي الصغير ابن الست سنوات.
في ظل عقود الاب كان السوريون يعيشون حياة ملؤها الصبر والهوان والرشى والانتظار وبعد عقد مع النجل الوريث صرخ ابناء الشام باسقاط الابن الذي اذاقهم سوء العذاب وعمل على تجويعهم ونهب ثرواتهم واعتقد أن بامكانه أن يسلبهم كرامتهم وعزتهم، ومن يرصد تاريخ هذا الشعب قبل ذلك وفي أزمنة بعيدة سيتأكد حتما أن نظام عائلة الأسد طارئ على الحياة السياسية والاقتصادية لهذا الشعب الحي الذي طرد المحتل الفرنسي ذات ربيع ولا بأس لديه بإنهاء نظام احتله داخليا.

التعليق