عيسى الشعيبي

الإعلام كلاعب.. الإعلام كملعب

تم نشره في الجمعة 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 02:00 صباحاً

لا خلاف على أن الإعلام كان وما يزال لاعباً رئيساً في ميدان السياسات الدولية المعاصرة، ينهض بمهمة لاعب الوسط في فريق كرة القدم؛ ذلك اللاعب الذي يتنقل بمهارة فائقة من وضعية صانع الأهداف إلى مركز الدفاع، ثم يتحول إلى خط الهجوم، كلما اقتضى موقف الفريق ذلك طوال شوطي اللعبة.
ومن الثابت تقليدياً أن الإعلام لا يصنع سياسة، وإنما يلحق بها دائماً، أو يواكبها في أحسن الحالات ولا يتقدم عليها خطوة واحدة. وبهذا فإن عصا الموقف المبادر تظل بين يدي رجال السياسة بصفتهم أسياد اللعبة من ألفها إلى يائها، فيما يتموضع الإعلاميون في الحاشية أو من وراء غلالة شفيفة.
ولم تكن العلاقة على ما يرام دائماً بين صانعي السياسات ومتخذي القرار من جهة، وبين الإعلاميين من جهة ثانية، لاسيما في زمن الحروب والأزمات الداخلية، حيث يسود التلاوم ويشتد التذمر بين الطرفين عندما تقع الواقعة وتتجلى مظاهر الإخفاق، بل إنه غالباً ما يلقي السياسيون بالتبعات كلياً على كواهل الإعلاميين ويحملونهم وزر مسؤولية الخسارة.
غير أن تعديلاً جرى تحقيقه على نحو تراكمي متدرج في زمن لاحق على تلك العلاقة التاريخية غير المتكافئة بين الطرفين، انتزع خلاله الإعلام مكانة أكثر ندية، وأملى فيها على الساسة والقادة بناء هيكل اتصال موضوعي مع الملومين المذمومين هؤلاء، قوامه الاحترام المتبادل، والاعتراف بالأهمية والاختصاص وحدود الدور والوظيفة.
وهكذا كسب الإعلام نقطة إضافية لصالحه، واسترد شيئاً فشيئاً قدراً أكبر من صفته كلاعب رئيس في لعبة الرأي العام، أو قل لعبة الحياة ذاتها، حيث باتت له سلطة كاملة تكاد توازي السلطات الثلاث الأخرى، لاسيما السلطة التنفيذية منها، وذلك بحضور كامل وفاعلية شديدة، انتفت في غضونها تلك العلاقة الزبائنية السابقة مع مجتمع متخذي القرار.
وفي غمرة ثورة الاتصالات الإلكترونية المتعاظمة، أخذ الإعلام يستقطع لنفسه مساحة أوسع من الملعب الذي تتزاحم على رقعته المحدودة سائر السلطات ودوائر صانعي القرارات، إن لم نقل إنه دخل مؤخراً في طور من التغول على غيره، وبات خارج نطاق السيطرة المعهودة، فصار هو اللاعب الأول، وأحياناً اللاعب الأوحد في الملعب كله.
ولما كانت المعركة -أي معركة- تدور على كسب الرأي العام، والنزاعات تحتدم حول مصداقية هذه الرواية أو موثوقية ذلك الخطاب، فقد باتت الاشتباكات الدائرة على شاشة التلفزيون، ومن ثم في الفضاء الإلكتروني، أهم من تلك المعركة الجارية على الأرض، الأمر الذي جعل من الإعلام بوسائله المختلفة سلاحاً لا يقل فتكاً عن أسلحة الحديد والنار.
وقد تكون هذه الفترة من زمن التحولات الجارية على كل صعيد، هي الفترة الذهبية للإعلام، ونقطة الذروة في مسار تطوره الصعودي المتسارع، الأمر الذي قد يشهد فيها هذا اللاعب الإشكالي بعد حين قريب رحلة هبوط تدريجي بطيء مديدة، شأنه في ذلك شأن سائر الظواهر الاجتماعية التي لم ينج أي منها من صيرورة النشوء والارتقاء، وتالياً من حتمية الانحدار والذبول.
وعليه، فقد لا يمضي وقت طويل حتى نرى الإعلام ينزل من عليائه كلاعب لا يجارى، ويؤول إلى ملعب يجري على أرضه، أو قل في فضائه، لاعبون قدامى عز عليهم التنازل مكرهين عن مكانة تربعوا عليها طويلاً دون غيرهم، وعن منزلة تسيدوها بمفردهم، وذلك على نحو ما تبدو عليه المحاولات المنهجية القائمة الآن لتدجين وسائل الإعلام وقصقصة أجنحتها بشتى أدوات المنع والحظر والرقابة.

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق