ما بعد التشكيل

تم نشره في الأربعاء 26 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 03:00 صباحاً

ما كان يمكن لأي رئيس وزراء أن يخرج علينا بفريق حكومي يقبله الجميع، فتشكيل الحكومات بالاردن حكما عملية تخضع لكثير من الاعتبارات الشخصية والمعرفية التي لا بد لها أن تطغى على الاعتبارات المؤسسية التي تراعي الاغلبيات السياسية والبرامجية المصوت عليها، لذلك فلا بد من تجاوز الحديث عن شخوص الداخلين والخارجين من الحكومات، فكل هؤلاء ذوات أردنية وكفاءات نعتز بها، وأن نركز بدلا من ذلك على السياسات والقرارات المتوقعة، رغم التأكيد بأن آلية التشكيل الحالية انتهى مفعولها السياسي، وباتت عبئا على الدولة لا عونا لها، فقد فقدت قدرتها على الاحتواء والعمل السياسي وأصبحت سببا للغضب والعتب والمعارضة والتمرد.
بعد اعتذار المعارضة الاسلامية عن عدم المشاركة بالحكومة، ذهبت التوقعات لإمكانية إدخال شخصيات حكومية قريبة من المعارضة لتساعد على مأسسة التشاور وربما التأثير المتبادل في المرحلة القادمة الحساسة؛ ولكن هذا لم يحدث، والدلالة السياسية الوحيدة التي يمكن رصدها بتشكيلة الحكومة هي دخول "المعارض" الأستاذ سليم الزعبي رغم أنه من الصعب الحكم ما إذا كان سيضطلع بدور سياسي، وهو ما نفته الجبهة الوطنية للإصلاح،  أم أنه سيكون تكنوقراطيا يسهم بجهده القانوني في مرحلة سياسية أولا وتشريعية ثانيا.
أولى الخطوات والتحديات التي ستواجه هذه الحكومة ضرورة تعديل خطة الدولة المعلنة للإصلاح، رغم أن تسلسلها الزمني حظي بقبول نسبي جيد من الرأي العام، فقد بات واضحا استحالة الالتزام بها في ضوء الحديث عن تأجيل محتوم للانتخابات البلدية وإعادة النظر بالقانون الذي أقر للتو. أما بشأن الانتخابات البرلمانية التي أريد لها أن تحدث قبل نهاية العام بحسب خطة الدولة، فهذا مايزال ممكنا ولن يقف بوجهه بالضرورة تلازم استقالة الحكومة مع حل البرلمان بحسب التعديلات الدستورية الأخيرة، ذلك انه يمكن نظريا أن يمتد عمر البرلمان الى ما قبل الترشح للانتخابات وبعد إقراره لقانون انتخابات، لتأتي بعدها حكومة جديدة، ومن ثم برلمان جديد سيشرف على انتخاباته هيئة مستقلة.
اللحظة السياسية تتطلب تموضعا استراتيجيا للحكومة يجعلها قادرة على تقديم قوانين عمل سياسي تقترب من توقعات ومطالبات المعارضة، وبذات الوقت وبنفس الاهمية أن تكون هذه القوانين ذات سقوف تستطيع الدولة التعايش معها وتقبلها كخطوات إصلاحية كافية وقادرة على المحافظة على ثوابت البلد ومستقبله السياسي. من المبكر إصدار الحكم عن قدرة الحكومة الاضطلاع بهذه المهمة المعقدة، ولا أدري ما هو شكل وفحوى الحكومة التي تستطيع فعل ذلك، ما أدريه أن الحكومة معنية بإدماج كافة مؤسسات الدولة وقدراتها السياسية من أجل النجاح في هذه المهمة التاريخية. نزاهة الانتخابات التي تعول عليها الحكومة كمفتاح رئيس للإصلاح السياسي والديمقراطية أمر مهم، ولكن الإتيان بقانون انتخاب يريح غالبية القوى السياسية من إصلاحية ومحافظة أمر سيتقدم حكما على النزاهة السياسية المرجوة، والحكومة في مهمتها تلك لا تواجه فقط سقوفا مطلبية سياسية متباينة ومتنافرة، ولكنها أيضا مضطرة للتعامل مع إرث العام الماضي بما في ذلك توصيات لجنة الحوار الوطني، ما يزيد من تعقيد احتمالات النجاح الذي نراه ضرورة لا حياد عنها.

التعليق