ذات الألم بين ذيبان وروما

تم نشره في السبت 22 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 03:00 صباحاً

يحاول رئيس الوزراء المكلف عون الخصاونة أن يقترب أكثر فأكثر من الشارع الذي ينبض بأفكار ومطالب وهموم كثيرة ولم يتم الإنصات جيدا الى صوت أنينه رغم مضي وقت طويل على ألم الناس ومعاناتهم.
 وقال لي الرئيس المكلف في حديث سريع بعد ساعات على طلب تشكيله الحكومة "إن القطاع العام بحاجة إلى أن يكون رافدا للناس بعد إصلاحه، وأثبتت التجارب أن الرأسمالية بتجاوزاتها المعروفة ضرت وتضر في حياة الفقراء".
أعلم أن الخصاونة سياسي بوشاح قانوني، لكن عبارته هذه ترتقي إلى أن تكون بوصلة لمن أراد أن يستعيد ثقة الشارع ويعيد النظر في سياسات مالية واقتصادية تسببت في ثراء عدد محدود من الأغنياء وإتعاس آخرين وزيادة آلامهم وهم الذين كانوا وما يزالون بلا حول ولا قوة.
المظاهرات التي تشهدها العواصم والمدن الأوروبية وتنطوي على نقد لاذع لما فعلته الرأسمالية بالشعوب لا سيما من خلال السوق المفتوح وصفقات بيع مؤسسات القطاع العام والمشاريع الكبرى والعمليات التي في الأسواق المالية بوهميتها وحقيقتها، كل ما سبق له ما يشابهه في بلادنا، فثمة انتقادات انطلقت قبل الربيع العربي لمسار ليبرالي مختلط انتهجته حكومات عديدة ووقفت للدفاع عنه نخب لا تعنيها أوجاع الناس وهي التي أثرت على حساب الفقراء، فكان لها سوء السمعة وكان للبلاد التعثر والفشل الاقتصادي بعد تجارب مريرة.
تلك التجارب المريرة خلفت وراءها فسادا لا يسهل السكوت عليه، وأعادت إنتاج اللصوصية والشللية والرشى واستباحة المال العام، وهي مظاهر وملامح لم تكن سائدة في حياتنا السياسية والاقتصادية، وعزلت هذه المظاهر الحكومات عن الشعوب، وظل الفقراء الطرف الأضعف بسبب تغول أسماء ارتبطت بصفقات مشبوهة ولا يوجد أي منهم خلف القضبان حتى ساعة إعداد هذا المقال.
 ففي بلادنا لا تنضوي استباحة المال العام ضمن عنوان الخيانة ومثلها أيضا رشى العمولات على الصفقات الكبيرة، وغيرها من مشاهد الفساد السياسي والاقتصادي التي بات يعرفها الصغار قبل الكبار، وهي أنشودة الجميع في مسيرات واعتصامات لم تتوقف منذ أوائل العام الحالي للمطالبة بوقف الفساد ونهب حليب الأطفال.
ما تسمعه من أنين في وسط البلد وذيبان والكرك والطفيلة ومعان وإربد وجرش والمفرق هو صدى الأنين الذي يتزايد وقعه في لندن ونيويورك وروما ومدريد وباقي العواصم الأوروبية والأفريقية.
 وكل هذه بمثابة شهادة نعي لبشاعة الرأسمالية بمفهومها الاستبدادي على الصعيد الاقتصادي، فالعالم الذي سلم ذات ضعف إلى الرأسمالية وبورصاتها وصفقاتها الوهمية وبنوكها التي تثري على حساب العمولات والفوائد المرهقة بدأ يكسر قيوده اليوم ويسعى إلى أن يعطي للقطاع العام النزيه لا الفاسد الفرصة من جديد بشروط جديدة، كي يحاول لملمة جراحات الثكلى من جراء الاستخدام المفرط للرأسمالية بوصفها سلاحا تدميريا لا يراعي الفقراء والبسطاء، ويلتفت فقط إلى الأقوياء والسماسرة ورجال الصفقات الوهمية.
ما سبق ليس حديثا أيديولوجيا ولا يهدف للترويج إلى الاشتراكية بوصفها حلا أبديا لآلام الشعوب، لكن الواقع العملي يحتم علينا النظر إلى ما يحدث في شوارعنا وفي شوارع الغرب باعتباره صرخة كبرى هدفها إعادة تسليط الضوء على الإنسان بوصفه أداة عملية التنمية وهدفها، ولإيقاف الجرائم التي ارتكبت بحقه، وهو ذات الواقع الذي يفرض بقوة ومن دون مواربة نظرية جديدة في تقييم الأنظمة السياسية مفادها أن النظام الذي لا يلتفت الى حاجات الناس ولا يداوي جراحهم هو نظام فاشل وغير قادر على الصمود والعكس صحيح.
الخصاونة يحاول أن يرسم طريقا جديدة قام بالتنظير إليها سلفه البخيت تحت عنوان الطريق الثالث، والمأمول أن لا يكون هذا الطريق معتما ضبابيا مسدودا في نهايته كما كان في عهد البخيت، وأن تبنى كل السياسات الاقتصادية في المقبل من الأيام بناء على نبض الشارع وفقا لأفكار وخطط مدروسة هدفها التخفيف من آلام المسحوقين وليس زيادتها.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »معا ننير الطريق (Bisan Alghawi)

    السبت 22 تشرين الأول / أكتوبر 2011.
    نعم كان هذا الطريق معتما و ضبابيا و مسدودا .. و نعم نحن متفائلون بان رئيس الوزراء المكلف عون الخصاونة سيعمل على انارة و فتح هذا الطريق لكننا يجب ان نؤمن باننا لا بد ان نتعاون جميعا حكومة و شعبا ( كل فئات الشعب) على انارة هذا الطريق و السير فيه حتى اخره .. فيد واحدة لا تصفق .