عيسى الشعيبي

العربي في دمشق.. كأن شيئاً لم يكن

تم نشره في الثلاثاء 13 أيلول / سبتمبر 2011. 02:00 صباحاً

حسناً فعل الأمين العام للجامعة العربية هذه المرة، حين التزم الصمت في زيارته الثانية إلى دمشق، ورفض التصريح أمام وسائل الإعلام السورية عما دار في مباحثاته مع الرئيس بشار الأسد، خشية تحريف كلامه وتقويله ما لم يقله، وذلك على نحو ما جرى له في الزيارة الأولى التي كانت، بكل فقراتها، صادمة للسوريين، وفق ما أظهرته الشعارات المنددة بتلك الزيارة، وصدحت به حناجر المتظاهرين في عموم الديار السورية.
وبغض النظر عن تقولات ذلك الإعلام الذي يرابط بعناد في الزمن الشمولي البائد، ومعاودته مجدداً تقويل نبيل العربي ما كان يود أن ينطق به الأمين العام من كلام يصادق فيه على نظرية المؤامرة الخارجية التي يتمسك بها النظام المأزوم، إلا أن التصريحات التي أدلى بها في القاهرة رسول وزراء الخارجية العرب إلى دمشق، جاءت هي الأخرى باعثة على اليأس من إمكانية قيام النظام الرسمي العربي بدور يعتد به في حل أزمة تتفاقم مع مرور الوقت.
فقد كان الحديث يدور في الأروقة الصحفية، عشية زيارة العربي الأخيرة، عن مبادرة عربية تتكون من ثلاثة عشر بنداً، كان وزراء الخارجية العرب قد أودعوها بين يدي الأمين العام لنقلها إلى الرئيس السوري، وهو ما رأت فيه كثير من قوى المعارضة داخل سورية وخارجها، طوق نجاة يرمي به العرب إلى النظام الغارق في دم شعبه من أجل إعادة تعويمه.
وهكذا، فإن تصريحات العربي في مطار القاهرة، حققت على الفور كل تلك الشكوك المسبقة بعدم وجود مبادرة عربية من الأساس، وأن كل ما كان في جعبة الأمين العام مجرد تمنيات قلبية طيبة، ورغبات عربية عامة، بضرورة اتخاذ خطوات عاجلة لوقف العنف وحقن الدماء وإجراء حوارات جادة، وغيرها من المجاملات الدبلوماسية التي تتوافق في مجموعها مع ما يدعو له النظام الدموي من إصلاحات لا تمس جوهر حكم عائلي مستبد، يسعى إلى إنهاء الانتفاضة الشعبية بكل ثمن ممكن، وتأبيد تسلطه لأربعين سنة أخرى على الأقل.
وعملاً بمنطوق القاعدة القائلة إن فاقد الشيء لا يعطيه، فقد كان من المستغرب حقاً أن تبادر المؤسسة العربية الرسمية إلى طرح مبادرة جريئة كتلك المتداولة صحفياً، أو التقدم بخريطة طريق فعالة، على نحو ما تم تسريبه عقب اجتماع المجلس الوزاري العربي الخاص بالأزمة المديدة، خصوصاً وأن النظام السوري اعتبر البيان الصادر عن ذلك الاجتماع الطارئ كأنه لم يصدر، كونه يمثل تدخلاً فظاً في الشؤون الداخلية لبلد يعرف كيف يحل أزماته الذاتية بنفسه.
وعليه، ومع ارتطام الجهود العربية الخجولة مع صخرة العناد التي تحطمت عليها من قبل سائر الجهود والمبادرات والنصائح التي انهالت على دمشق من سائر الحلفاء والأصدقاء والجيران، تدخل الأزمة السورية الدامية مرحلة استعصاء أشد من ذي قبل، وتصبح المعالجات الدبلوماسية الرامية إلى احتواء الموقف أولاً تمهيداً للبحث عن مخارج ملائمة فيما بعد، غير ذات صلة بوضع بلغ فيه النظام ذروة رهانه على الحل الأمني، فيما بلغ فيه الشعب السوري نقطة اللاعودة، الأمر الذي يجعل الحديث عن الإصلاحات مجرد كلام في الهواء لدى شعب لم يعد يطالب بإسقاط النظام فقط وإنما بمحاكمة الرئيس وإعدامه.
ولعل الحقيقة الأساسية التي غابت عن نبيل العربي، وامتنع كثير من المراقبين عن الأخذ بها تماماً، تلك التي تشير إلى أن النظام القائم في جوهره العميق على حكم فردي، وإرث استبدادي، ومنطق أمني، نظام غير قابل للإصلاح، أو قادر على الاستجابة لمطالب شعبه، ليس لأنه لا يريد مثل هذا الإصلاح، وإنما لأنه لا يستطيع دفع أكلافه، وهو الذي يعتبر كل تنازل بمثابة هزيمة تضعف من سطوته وتأكل من هيبته، الأمر الذي سيجعله من الآن فصاعداً أكثر انكشافاً أمام التدخلات الخارجية، بكل ما تنطوي عليه مثل هذه التدخلات من مخاطر محتملة، فيما سيجعل المنتفضين أكثر استعداداً مما كانوا عليه، لتقبل هذا التدخل الذي يأخذ الآن شكل طلب الحماية الدولية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تؤخذ الأمور بنتائجها (طه العبسي)

    الثلاثاء 13 أيلول / سبتمبر 2011.
    تعليقا على ما ورد في مقال الكاتب عيسى الشعيبي المنشور هذا اليوم ، أتمنى على الكاتب أن يأخذ بالحسبان ، ماقد يحل بسورية من مصائب وانقسامات وفوضى تتماشى مع ماتشتهيه الولايات المتحدة واسرائيل ، وان ما ذكرت ليس القصد به الدفاع عن النظام السوري ومدى شرعيته وديموقراطيته ، ودفاعه عن القذافي حلت لعنة الله عليه ، ولكن من منطلق ، بأن القادم أكثر سوءا وأشد مرارة لأن الولايات المتحدة لا تخدم أحدا بالمجان !
    طه العبسي