حان الوقت لنقرأ ليبيا بالعكس

تم نشره في السبت 3 أيلول / سبتمبر 2011. 03:00 صباحاً

حتى وإن ألقى القذافي كلمته الرابعة من السراديب المهجورة التي يعيش فيها منذ فراره من طرابلس، وحتى إن قال قائلون: لم تنته الأمور بالكلية للثوار؛ فقد آن الأوان لنقرأ مستقبل ليبيا المشرق بحروف مقلوبة من آخرها، ليظهر لنا أنها "ليبيا" من اليمين أو من الشمال.
قبل 17 شباط (فبراير) لم يكن في ليبيا شيء، لا دولة ولا جيش ولا رجال أمن عام، ولا مؤسسات، ولا وزارات.. كان هناك فقط الكتاب الأخضر واللجان الثورية التي اخترعها العقيد المخلول أو المخلوع، والتي حكم ليبيا بها أكثر من 42 عاماً، حيث حوّل البلد النفطي (ليبيا لديها عاشر أكبر احتياطات نفطية مؤكدة في العالم، وتحتل المرتبة السابعة عشرة في إنتاج النفط عالمياً)، والبلد الذي يملك أطول ساحل على البحر الأبيض المتوسط (يبلغ طوله حوالي 1955 كم)، حوله إلى بلد متخلف تكنولوجياً وتعليمياً، وجعل شعبه يعاني من الفقر والبطالة أكثر من تنزانيا أو الصومال.
لكن بعد أكثر من ستة أشهر على انطلاق الثورة الليبية في 17 (فبراير) الماضي، سقط نظام العقيد معمر القذافي أخيراً، ليكون بذلك ثالث رئيس عربي تطيحه رياح التغيير العربية بعد رئيسي تونس ومصر، وها نحن ننتظر أن تحصد ثورتا اليمن وسورية زهور الربيع العربي قريباً.
إن التحدي الأكبر أمام أي حكم جديد في ليبيا هو القدرة على فرض الأمن، وتخطي الصعوبات الاقتصادية. والأسابيع القليلة القادمة ستكون حاسمة لجهة إظهار مدى قدرة ليبيا الثورة على التماسك والتعامل مع تحدي إعادة الإعمار والتنظيم؛ إذ ان السؤال الذي يشكل هاجساً لدى البعض هو: هل ستبقى ليبيا موحدة ومتماسكة، أم ستؤول الحال بها إلى الفوضى والفلتان على خلفية الخلافات التي قد تنشب بين قوى المعارضة المختلفة، والتي تضم تيارات ليبرالية وإسلامية ووطنية متباينة ومتناقضة فيما بينها؟
المجلس الوطني الانتقالي كان نشر قبل أسابيع قليلة خطة مفصلة لمرحلة ما بعد القذافي، تتضمن تفاصيل تخص المهمات والأولويات لتلك المرحلة، وهي حفظ القانون والنظام، ومنع أعمال السلب والنهب، والحفاظ على انسيابية الخدمات الأساسية، وحراسة المدارس والمستشفيات وضمان توزيع المواد الغذائية.
ولم تغفل الخطة تفادي الصراعات والحساسيات القبلية، فاقترحت تشكيل "قوة طرابلس" من عشرة آلاف عنصر من الشرطة والجيش، مهمتها ضمان تسيير الأمور بطرابلس من قبل أهلها بدلاً من فرض قادة من قبائل أخرى عليها.
كما أعلن المجلس دستوراً مؤقتاً للبلاد، يحدد ملامح الدولة الجديدة، ويتضمن تنظيم الحياة السياسية والاقتصادية والقانونية عقب سقوط نظام القذافي. كما اعتمد خطة سرية للاحتفاظ بالكثير من أسس البنية التحتية للنظام في ليبيا بعد رحيل القذافي، لتفادي الانزلاق إلى الفوضى كما حدث في العراق.
الخطة المكونة من 70 صفحة، والتي وضعها المجلس الانتقالي بمساعدة دول غربية اطلعت على مضمونها، تشير إلى أن المجلس الانتقالي يخطط لإنشاء قوة يتراوح قوامها بين 10 آلاف و15 ألف عنصر لتأمين العاصمة طرابلس، واعتقال أبرز مؤيدي القذافي، وتجنيد 5000 شرطي للعمل بمثابة قوات أمن تابعة للحكومة المؤقتة. تبقى الآن القضية الأبرز التي تشغل بال الليبيين، وهي كيفية الخلاص من شبح القذافي المتواري عن الأنظار، لأن النهاية السريعة للصراع في ليبيا لن تتحقق إلا عندما يعتقل القذافي حياً أو يسقط ميتاً، وسوف يبقى للعقيد المخلوع حلفاء في أفريقيا ممن استفادوا من سخائه معهم بفضل أموال النفط، والذين يتعاطفون مع سياسته الخارجية التي كان يقول إنها ضد الاستعمار. ولذا، في حالة استمرار الصراع في ليبيا فإن هناك مخاوف من امتداده إلى المناطق النائية في مالي والنيجر وتشاد وموريتانيا.لقد حان الوقت الآن لإقامة ليبيا جديدة، دولة تقوم على الحرية وليس على الخوف، على الديمقراطية وليس على الديكتاتورية، على إرادة الجميع وليس على أهواء شخص أو قلة باغية.

التعليق