سياسة إسرائيل الاستيطانية الاستعمارية الإحلالية: بين الاستنكار وضرورة الفعل

تم نشره في الخميس 18 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الخميس 18 آب / أغسطس 2011. 03:42 صباحاً
  • › مقالات سابقة

إصرار حكومة إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، على إدارة الظهر للمجتمع الدولي وقرارات الشرعية الدولية؛ قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بالقضية الفلسطينية ومحورها تمكين الشعب العربي الفلسطيني من حقه في إقامة دولته المستقلة ذات السيادة على كامل ترابه الوطني في الضفة الغربية والشطر الشرقي من القدس عاصمتها، وذلك بإعلان تلك الحكومة العزم على إنشاء أكثر من 900 وحدة سكنية في مستعمرة أبو غنيم في إطار مخطط استيطاني واسع يشمل إقامة 7000 وحدة سكنية في عدد من المستعمرات المحيطة بالقدس، كان موضع إدانة دولية واسعة شملت عواصم أوروبية ذات ثقل سياسي دولي وممثلة في اللجنة الرباعية التي تضم الولايات المتحدة، الدولة الراعية لعملية السلام، وروسيا الاتحادية، والاتحاد الأوروبي، وهيئة الأمم المتحدة.
فها هو الاتحاد الأوروبي وباريس ولندن وموسكو تعلن على لسان كبار مسؤوليها عن إدانتها ورفضها القاطع لهذه السياسة الإسرائيلية الاستيطانية الاستعمارية الإحلالية، وتطالب حكومة تل أبيب بالتراجع فوراً عن ذلك لما تلحقه هذه السياسة من خطر على عملية السلام، وتقود بها إلى طريق مسدود من شأنه أن يحول دون التوصل إلى اتفاق سلام دائم محوره قيام دولة فلسطين إلى جانب دولة إسرائيل، تعيشان جنباً إلى جنب في أمن وسلام واستقرار.
فوزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي كاترن آشتون، تعرب عن شعورها "بخيبة أمل عميقة"، مشيرة إلى أن الاتحاد الأوروبي لم يفلح رغم حثه المتكرر في حمل إسرائيل على "إنهاء جميع النشاطات الاستيطانية في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية"، مؤكدة في ذات الوقت أن "كل النشاطات الاستيطانية غير شرعية بموجب القانون الدولي" وأن قرار حكومة إسرائيل توسيع المستوطنات "مؤسف"، في الوقت الذي تبذل فيه مساع دولية لاستئناف المفاوضات. مضيفة أن استمرار الاستيطان يقوض الثقة بين الأطراف، كما يقوض جهود استئناف المفاوضات، وينطبق ذلك بشكل خاص في حالة القدس، مشددة على أنه "لا يمكن أن يكون هناك سلام دائم في الشرق الأوسط بدون الحل القائم عل الدولتين: دولة إسرائيل ودولة فلسطينية متصلة جغرافياً وقابلة للحياة، تعيشان جنباً إلى جنب في سلام وأمن".
وتشاطر آشتون في الإدانة والتحذير من سياسات حكومة نتنياهو التهويدية كل من باريس ولندن وموسكو، حيث أكدت مساعدة الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الفرنسية كريستين فاج، في لقاء صحافي، أن باريس تعتبر الاستيطان الإسرائيلي "غير شرعي" وأنه "يشكل عائقا أمام تحقيق السلام".
أما وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط أليستر بيرت فقد دان في بيان له تلك السياسة صراحة، قائلا: "أدين إعلان الحكومة الإسرائيلية أمس (الخميس 5/8/2011) الموافقة على بناء 900 مسكن، ما يوسع بشكل كبير مستوطنة هارحوما غير المشروعة في القدس الشرقية"، مضيفاً أن "قرارات أحادية الجانب مثل هذه تنسف الجهود الدولية لإرساء سلام دائم بين إسرائيل والفلسطينيين.. ويثير هذا القرار قلقاً كبيراً لدى أصدقاء إسرائيل".
وكانت روسيا قد عبرت في بيان لوزارة خارجيتها يوم السبت 7/8/2011 عن أن قرار وزارة الداخلية الإسرائيلية بناء 900 وحدة سكنية جديدة في مستوطنة هارحوما بالقدس الشرقية قد أثار قلقاً عميقاً لدى موسكو، لاسيما وأن ذلك يأتي متزامناً "مع الجهود التي تبذلها رباعية الوسطاء الدوليين والأسرة الدولية برمتها بغية استئناف الحوار بين الفلسطينيين والإسرائيليين"، داعية في بيانها "إسرائيل إلى وقف النشاط الاستيطاني بالكامل على الأراضي الفلسطينية" للحيلولة دون "تقويض احتمال إعادة إطلاق المسيرة السلمية في الشرق الأوسط استناداً إلى الأسس القانونية الدولية المعترف بها".
ومع أن حكومات إسرائيل المتعاقبة ظلت تدير الظهر لإرادة المجتمع الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، ولم تعر مطلقاً اهتماماً لنصائح أصدقائها في الاتحاد الأوروبي وموسكو، ولا حتى لحليفها الاستراتيجي الولايات المتحدة، فإن مواقف الاتحاد الأوروبي وعدد من دوله الرئيسية، فرنسا وبريطانيا، وكذلك روسيا الاتحادية، تظل خطوة متقدمة على مناصرة تلك السياسة العدوانية أو الصمت عليها من راعية السلام الولايات المتحدة.
أما الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي فقد سبق لهما أن دانتا سياسات إسرائيل التهويدية في الكثير من المناسبات، معتبرتين إياها تحديا سافرا لإرادة المجتمع الدولي، وضرباً عرض الحائط بقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة والتي تعتبر جميعها إجراءات غير شرعية وباطلة يجب عليها تفكيكها وتحظر عليها الإتيان بمثلها مستقبلاً.
أما بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة، فقد أعرب هو الآخر عن "خيبة أمل عميقة"، مكرراً قوله بأن النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، يخالف القانون الدولي، وأنه يشعر بالقلق إزاء الأعمال الاستفزازية على الأرض، مشدداً على ضرورة توفير المناخ الاستئنافي لمحادثات تسوية باعتباره "أمراً حيوياً".
ومع أن اللجنة الملكية لشؤون القدس هي الأخرى تدين وتستنكر مجدداً وبشدة إصرار إسرائيل على مواصلة سياستها الاستيطانية الاستعمارية، والاستزادة من تشريعاتها القانونية العنصرية، سواء فيما يتعلق بمطالبتها الطرف الفلسطيني والعالم الاعتراف بإسرائيل "دولة يهودية"، أو باستبدال المسميات العربية بأخرى عبرية قتلاً للذاكرة وتزويراً للتاريخ وطمساً للحقائق، وشطب اللغة العربية لغة ثانية، فإن اللجنة تؤكد ضرورة اتخاذ موقف عربي وإسلامي ودولي حازم، سواء على صعيد الدول أو المؤسسات الإقليمية والدولية، يجبر إسرائيل على الإذعان لإرادة المجتمع الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة. فالتصريحات وبيانات الاستنكار والشجب والإدانة لم تعد تجدي نفعاً مع إسرائيل التي تصر على وضع كل العراقيل التي تحول دون قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية.
فقضية فلسطين وتسويتها وفقاً لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة هي بالضرورة قضية تهم الأمن والسلم الدوليين. وعلى الدول التي تزعم حرصها على الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين أن تنتهج سياسة من شأنها أن تقود إسرائيل إلى مصلحتها، إذ لا سلام مع الاحتلال.. ولا أمن مع التهويد والاستيطان، لاسيما وأن المنطقة تغلي فوق فوهة بركان ستصيب حممه دول العالم أجمع قريبها وبعيدها.
وإذا كانت إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، لا تجد حرجاً في أن يوبخ يعقوب عميدرور مستشار الأمن القومي لنتنياهو، سفراء 27 دولة عضواً في الاتحاد الأوروبي، متهماً دولهم بانتهاج سياسة غير متوازنة لصالح الطرف الفلسطيني رداً منه على وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي التي عارضت فكرة "الدولة اليهودية" التي تضمَّنها بيان الرباعية في لقائها مع الرباعية في 11 تموز (يوليو) 2011، فإن من الأجدر بنا نحن العرب والمسلمين ألا نرضى بالبيانات والتصريحات التي سئمناها، وعلينا اعتماد سياسة تلامس مصالح الدول المقررة في المجتمع الدولي بما يحملها على وضع حد لسياسة الاحتلال الإسرائيلي ويفضي إلى الدولة الفلسطينية المنشودة.

* أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس

التعليق