د.باسم الطويسي

انفعالات عربية حادة

تم نشره في الأربعاء 10 آب / أغسطس 2011. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الخميس 11 آب / أغسطس 2011. 07:01 مـساءً

انتقل العرب خلال العقد الأخير من كونهم الموضوع الأكثر جاذبية في صناعة الأخبار إلى أكثر الشعوب إثارة في صناعة الانفعالات الحادة. لم يبدأ الحدث ولن ينتهي بمشهد الرئيس المصري المخلوع يتدارى في سريره في واحدة من أكثر لحظات التاريخ المعاصر إثارة وذلا، ولا بالمشاهد الليلية لعمليات الذبح المجاني التي يرتكبها النظام السوري، وما تثيره من استفزاز ومشاعر حادة.
كان المستشرق الفرنسي مكسيم رودنسون في نهاية الثمانينات يقول إن العرب ينشرون في العالم أكثر الانفعالات والمشاعر حدة، وذلك على وقع عمليات المقاومة التي كانت تؤطر المشهد السياسي في ذلك الوقت. تلك اللحظة تعد واحدة من التعبيرات المختنقة التي أخذ صوتها يرتفع شيئا فشيئا حتى وصلت أوجها مع مطلع العقد الأول في الألفية الجديدة.
وبينما يمر التاريخ النفسي للجماعات المضطهدة بأحوال ومناخات قاسية ومتناقضة، من عقدة العار والذل وصولا إلى لحظة المواجهة والتمرد على الواقع، فإن لحظة الشعور بعقدة العار هي الأطول والتي تطل برأسها في كل مرحلة؛ هي ذاتها لحظة عبدالله الصغير يبكي مثل النساء على مُلك أندلسي ضيعه ولم يحافظ عليه مثل الرجال قبل أكثر من خمسة قرون، وهي لحظة الرئيس المصري المخلوع الذي أثار أقسى وأبشع المشاعر الإنسانية وهو في قفص الاتهام، ولحظة الرئيس اليمني الذي يصر أن يطل برأسه المحروق على شعب رفضه بإصرار عنيد.. وستكون لحظات أخرى في انتظار آخرين إذا ما ساروا في نفس الطريق.
كان العرب وقودا، وأحيانا شرارات صاعقة أشعلت نار أكبر الانفعالات في التاريخ المعاصر. حدث ذلك في واقعة المدن الأميركية الكبرى في التفجيرات الشهيرة قبل عقد من الزمن، حينما أشعلوا نار أكثر العواطف حدة وغضبا. وتكرر الأمر مرات في الحروب الغامضة والاحتلالات المباغتة التي قيست قوتها وهديرها على نبض قلب العالم حينما كانت الدبابة الشهيرة تعبر الضفة الأخرى لنهر دجلة. وهي ذاتها الانفعالات التي قادت صدام حسين إلى مصيره المعروف من مشهد إلقاء القبض عليه إلى مشهد إعدامه، وصولا إلى تحليل كيمياء أسامة بن لادن بعد أن ألقي رماد جثته هدية لبحر العرب في لحظة أخرى مزجت بين أعنف الانفعالات وأقساها.
فَقد العرب الشعور بالألم لحوالي ثلاثة قرون من حكم الأتراك العثمانيين إلى أن قادت النخب الأهلية استعادة الشعور بالألم في نهاية القرن التاسع عشر، بعد أن أخذت علما بمدى فوات المجتمعات العربية وتأخرها. وعلى الرغم من الحيوية التي أبدتها المجتمعات العربية خلال العقود الماضية في المقاومة والرغبة في التغيير، إلا أن التغيير الذي لم يأت أفقدها الشعور بالألم وقبله الشعور بالأمل؛ فقد تحولت إلى مجاميع غرائزية لا تحرص على شيء أكثر من استمرار أسباب الحياة الأولية في هذا الجزء من العالم الذي أصبح بالفعل ثقبا أسودَ في كل ما يشير إلى أدامية الإنسان.
عقدة العار تجعل المجتمعات تخجل من ذاتها، من خنوعها ومن تاريخ إذلالها، وتحول الجموع البشرية إلى الشعور بالعار الجماعي الوجودي الذي يصعب تحمله، فتتمسك بالمظاهر لتشكل غطاء للبؤس والخنوع، ولكنه غطاء هش لا يستمر بفعل استمرار التراكم السالب الداخلي والخارجي.
الثورات العربية هي الفصل الأخير من مسلسل الانفعالات الحادة، فيما ما تزال مضامين هذه الانفعالات غامضة ومركبة بين الألم والأمل والانتظار.

التعليق