مصراته.. رأس المال ليس جبانا

تم نشره في السبت 23 تموز / يوليو 2011. 03:00 صباحاً

كل الصفات والمسمّيات التي ارتبطت بها تعبّر عنها ولا ريب، وفي السياسة كما في الاقتصاد والمقاومة وفي حياة ناسها، ظلت مصراته قلعة تقدم كل ما هو لافت واستثنائي، كيف لا وهي الخزان الاقتصادي للبلاد وحجر الزاوية في ثورة السابع عشر من فبراير التي شقت طريقها إلى شهر سادس لإنهاء حكم استبدادي دام 42 عاما.
جاء القذافي إلى مصراته فتى بدويا وتعلم في مدارسها قبل سبعة عقود، لكنه لم يتعلم إرادة أهلها ولم يفهم مكنونات تلك الإرادة، كما سبقه إلى عدم الفهم هذا الرئيس المخلوع بن علي.
 كان الليبيون يقولون إن القوانين تبدأ في طرابلس وتطبق في مصراته وتتجمد في بنغازي، وبقيت المدينة (القرية كما يحب أبناؤها تسميتها) طوع الدولة لا تخرج عليها وإن لم تكن راضية عن كل مؤتمراتها الشعبية وخزعبلات النظام التي لا علاقة لها بالإنسان الليبي، بل كانت تسعى دوما لتهميش هذا الإنسان وإقصائه.
مصراته ثالث أكبر المدن الليبية من حيث الأهمية وعدد السكان بعد طرابلس وبنغازي، ويقطنها نحو نصف مليون، وهي مدينة التجارة والتجار، فأبناؤها يعملون في أنشطة التصدير وأعمال الجملة وكذلك التصنيع، وعندما تسمع اسم مصراته يتبادر إلى الأذهان خزان الاقتصاد الليبي من سلع ونفط، رغم أن المدينة لا تنتج النفط، فكان لها قصب السبق في الثورة؛ إذ انخرط رجال أعمالها وأبناؤها عموما في مجهود اقتصادي أسهم في مساعدة الثورة على الوقوف طيلة الشهور الخمسة الماضية.
انخراطهم في الثورة لم يكن عاديا فلقد اجتمع 28 من رجال الأعمال في المدينة وقرروا أن يكونوا الخزان الاقتصادي للثورة كما كانوا لبلادهم في السابق وقدموا الملايين عن طيب خاطر وعملوا في أواخر شهر شباط (فبراير) الماضي على تأخير شحنات نفط وغاز وصلت الميناء كان من المفترض أن تصل إلى العاصمة، وانتقل مستثمرو وأبناء المدينة بعد ذلك إلى توزيع مخزونات الغذاء والسلع والأدوية التي وردت تباعا في الشهر ذاته في أماكن متعددة وفق خطط لا يسهل اختصارها في هذه العجالة، لتجد كتائب القذافي التي اجتاحت مصراته واستباحت كل ما فيها أن المقاومة شرسة وأن السكان لا يئنون من عوامل ضعف إنسانية ذات صلة بالدواء والغذاء والطاقة.
 وكان هذا كله بسبب جهد كبير فيه بذل من قبل التجار الذي استغلوا قدراتهم ووعيهم في تقوية جبهة مدينتهم التي حوصرت من جهاتها الثلاث وعاثت فيها الكتائب خرابا ودمارا لكن المدينة صمدت وأعطت النظام درسا في المقاومة وهي التي لم يحمل أبناؤها السلاح في السابق، وخلافا لما هو في باقي المدن الليبية لم يكن فيها حديث عن السلاح وتجارته.
 فتفاجأ القذافي وأعوانه بأن مصراته كانت جحيما في وجوههم؛ إذ وجدوا رجال المدينة يخططون لمواجهة قد تطول، وعلى جبهاتها الساخنة رأيت المصرفي والطبيب والمهندس والتاجر والمتعلم وغير المتعلم.. كلهم يحملون السلاح معا من أجل إنهاء حكم كان يمعن في ظلمهم وتجهيلهم.
فكرة إدامة الخزان الذي كان يغذي المنطقة الوسطى في الجغرافيا الليبية الشاسعة نجحت، واستمرت مصراته سندا لأهلها وللمنطقة الوسطى وكذلك الغربية باتجاه العاصمة منها مناطق بني الوليد وتاورغاء وزليتن ومدن أخرى، حتى أن النفط والغاز يتدفق من المدينة باتجاه سرت ولا غرو في دور المدينة هذا وهي التي تشكل محطة لأكثر من 52 % من مستوردات ليبيا في السنوات الماضية، ويقوم رجال الأعمال فيها بهذا المجهود بكل تواضع وهدوء فلا تعنيهم الأموال بقدر ما يعنيهم إنهاء نظام فاسد ومستبد وصناعة لحظة جديدة يستحقونها بامتياز. من قال إن رأس المال جبان لم يقرأ الدرس المصراتي، ففيه كان المال في خدمة التغيير وفك الحصار عن المدينة التي كانت خزانا للبلاد وما تزال، وهي التي كان رجالها في الماضي نجوما في الثورة ضد المستعمر الإيطالي، وعلى رأسهم ابن مصراته المجاهد رمضان السويحلي وغيره. 

التعليق