دولة جنوب السودان ومشكلة الأقليات في العالم العربي

تم نشره في الخميس 21 تموز / يوليو 2011. 02:00 صباحاً

انضمت قبل قرابة أسبوعين دولة جنوب السودان إلى نادي الأمم المتحدة بعد انفصالها عن دولة السودان نتيجة للاستفتاء الذي أجري في كانون الثاني (يناير) الماضي. ومما لا شك فيه أن انفصال الجنوب عن السودان يثير الحزن لدى المواطن العربي الذي يرنو دوما للوحدة العربية، ويعارض انقسام الدول العربية أو بعضها.
بطريقة غير مباشرة، يوجه المعارضون اللوم على انفصال الجنوب إلى مواطني الجنوب الذين صوتوا للانفصال وإقامة دولتهم الجنوبية، وإلى الغرب الذي تآمر لتقسيم السودان. ومن المهم لمحاولة فهم ما جرى في السودان، تناول المسألة من منظور تاريخي، ومن منظور بناء الدولة الحديثة.
فمن المنظور التاريخي، وقبل نشوء الدولة السودانية الحديثة، كانت علاقة الشمال المتقدم سياسيا واقتصاديا مع الجنوب المتخلف علاقة غير متكافئة، تقوم على سيطرة الشمال على موارد الجنوب ومواطنيه أيضا، الأمر الذي لم يتوقف بعد استقلال السودان في الخمسينيات من القرن العشرين. وقد برزت مشكلة الأقليات في السودان، وخصوصا في الجنوب منه، مباشرة بعد الاستقلال، إذ إن الدولة المركزية في الخرطوم استمرت في إخضاع الجنوب وسكانه الذين يختلفون دينيا (الجزء الأكبر منهم مسيحيون، والجزء المتبقي يدين بالديانات الأفريقية) وعرقيا (أفارقة)، أي إنهم ليسوا عربا وليسوا مسلمين.
ومنذ نشأة الدولة السودانية، لم يقبل السودان أيا من مطالب الجنوبيين التنموية والثقافية والسياسية، مما أدى إلى نشوب الحرب بين الجنوب والشمال، والتي تكاد تكون الحرب الأهلية الأطول في العالم العربي. وقد قضى نتيجة هذه الحرب أكثر من ثلاثة ملايين نسمة غالبيتهم من الجنوبيين، بالإضافة إلى تشريد مئات الألوف من منازلهم نتيجة لهذه الحرب.
ومنذ الخمسينيات، تم التوصل إلى عدة اتفاقيات سلام بين الشمال والجنوب، كانت كلها تنص على إقامة حكم ذاتي في جنوب السودان وعلى التنمية الاقتصادية في الإقليم، والتي لم يتم تنفيذ أي شيء منها مما كان يؤدي إلى اندلاع الحرب الأهلية من جديد.
لم تكن الحركة الشعبية لتحرير الجنوب حركة انفصالية بالأساس، لا بل على العكس، وخاصة في ظل قيادة جون قارنغ (الجنرال السابق في الجيش السوداني)، والذي تحالف مع العديد من الحركات والأحزاب في الشمال من أجل تحقيق الديمقراطية في السودان كلها، وإنشاء دولة سودانية يكون الجميع فيها متساوين بغض النظر عن عرقهم أو دينهم أو ثقافتهم. ولكن ذلك لم ينجح أيضا.
لقد كان لدى السودان فرصة أخيرة في المحافظة على الجنوب بعد اتفاقية 2005، والتي نصت على الاستفتاء على مستقبل جنوب السودان في العام 2011، من خلال جعل الوحدة جاذبة للجنوبيين، ولكنه أضاعها كغيرها من الفرص.
إن انفصال جنوب السودان لهو حدث مؤلم، ولكن الأكثر ألما هو فشل معظم الدول العربية في التعامل مع أقلياتها العرقية أو القومية أو الدينية، سواء كنا نتكلم عن دول المشرق أو المغرب. وتفاقم مشكلة الأقليات هو نتيجة للأنظمة الدكتاتورية التي جثمت على صدر الوطن العربي خلال نصف القرن الماضي، واستحوذت من خلالها على كافة القرارات المصيرية، بل عملت على نهب مواردها الاقتصادية والطبيعية، وحولتها إلى حساباتها الخاصة في البنوك في الخارج، وفشلت في بناء الدولة الحديثة.
إن انفصال جنوب السودان جاء نتيجة فشل السياسات التي اتبعتها الدولة السودانية على مرّ العقود مع سكانها الجنوبيين، وفشلها في الالتزام بالاتفاقيات التي أبرمتها مع الحركة الشعبية لتحرير السودان. هذا الفشل كلف الدولة السودانية فقدان 30 % من سكانها و25 % من أراضيها و70 % من ثروتها النفطية.

mousa.shtaiwy@alghad.jo

التعليق