د.باسم الطويسي

مشهد سوريالي أردني

تم نشره في السبت 2 تموز / يوليو 2011. 03:00 صباحاً

في تاريخ  الفنون التشكيلية والأدائية، وفي صنوف إبداعية أخرى، سادت نزاعات حادة من التعبير وصفت بالعبثية واللاجدوى والجنون واللامنطق. حدث ذلك بعد مراحل انكسار تاريخي كحالات الحروب الكبرى، ذلك في الفنون والآداب، ولكنه لم يحدث في السياسة كما يحدث لدينا هذه الأيام.
المشهد السياسي المحلي هذه الأيام يشبه لوحة سوريالية أو نصا مفتوحا من الأدب العبثي، يختصر جانبا منه ما يحدث في أروقة البرلمان وعلى هوامشه؛ في طريقة  إدارة العملية السياسية التي تحولت إلى صراع عبثي ومفرغ من المضمون، واشتغال مكثف ونزق على تفاصيل لا جدوى منها ولا منطق يحكمها، وروح انتقامية وثأرية يقابلها برود سياسي رسمي وأعصاب شعبية تالفة بانتظار الوعود، وفيما تبيض الملفات وتسود على الأمزجة، يبقى القانون أداة انتقائية يضرب فيها على المزاج ويغنى عليها في الليل.
يحدث ذلك في عشرات الملفات المفصلية، وفي معظم القطاعات، حيث تضرب التناقضات بالعقل والمنطق والسياسة معا. يحدث ذلك في تآكل نخبة الدولة ورجالها، ولعل نظرة سريعة على تفاصيل قصة الكازينو تثبت صورة من الداخل لحجم النخر الذي أصاب تلك النخب، وتثبت الطريقة التي تدار بها الدولة. يحدث ذلك في إدارة ملفات الفساد التي تراكمت وتجاوزت قيمها الناتج الإجمالي الوطني مرات من دون إجراء جاد حتى ولو للتنفيس للناس، كما هو الأمر في الامثلة التقليدية في علاقة الدولة بالمجتمع وعلاقة الدولة بالسوق، وفيما لم تعد مصفاة البترول الوحيدة قادرة على توفير احتياطي لوقود الكهرباء أكثر من خمسة ايام، تحاصَر كل خيارات البلاد الاستراتيجية بعبثية من لون آخر.
 ما يحدث محاولة غير واعية لتفريغ اللحظة التاريخية من مضمونها، أي محاولة للإفلات من استحقاق الإصلاح والتغيير في ارتباك عبثي، لعل موجة الثورات العربية تمر وحراك الشارع يمر، وهو رهان عاجز وغير واع ايضا، وكأن لا أحد يدري من يخلط الأوراق ومن يعيد جمعها كي تخلط مجددا.
 كلمة السر المفقودة في كل هذا الواقع العبثي تبدأ من القانون وتمر في القانون وتنتهي بالقانون، أيضا في مواجهة قانون الاسترضاء والمدارة والاستقواء. اللعب بالقانون أخطر مئات المرات من غيابه.
على قدر أهمية أي قرارات اقتصادية تتخذها الحكومة للتخفيف من قسوة الظروف الاقتصادية، ومن انعكاسات السياسات الاقتصادية التقليدية على حياة الناس وقدراتهم، وعلى قدر أهمية أي قرارات سياسية أخرى نحو الانفتاح على المجتمع، فإن تخفيف الاحتقان المتراكم لا يترسخ ولا يجعل الناس يشعرون بالطمأنينة إذا ما أحسوا بالأفعال والممارسات بأن سيادة القانون فوق الجميع وبأن أداة صنع العدالة يقظة ومتنبهة وعينها على الجميع.
 يقظة القانون المدخل الحقيقي للإصلاح، ومن دونها كل حديث عن الإصلاح مجرد ضحك على الذقون، وتأسيس السياسة على القانون هي القادرة على مد الناس بالشعور بالأمان حتى في ظل العوز والحاجة.
تمأسس دولة القانون وإعادة تأسيس منظومة حقيقية كفؤة للنزاهة الوطنية، هي الإجابة الحقيقية عن الكثير من الأسئلة الأردنية، من العنف والاستقواء مرورا بالفساد وحاجة الناس للشعور بالكرامة، وصولا للخروج من المشهد السوريالي المعتم.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عنوان التعليق (محمد)

    السبت 2 تموز / يوليو 2011.
    قربه مخزوقة .............
  • »فوضى في فوضى (خليل احمد)

    السبت 2 تموز / يوليو 2011.
    لا ندري ماذا يريد النواب ان يخرج الجميع براءة وان نطوي الملف وكأنه لم يحدث شيء ، انفق مع جاء به الكاتب انها فوضى وفوضى من اجل تفويت فرصة الاصلاح ، ونحن المواطنون ندفع الثمن