عيسى الشعيبي

مخيمات خمس نجوم

تم نشره في الجمعة 1 تموز / يوليو 2011. 02:00 صباحاً

لعل اللاجئين الفلسطينيين هم اليوم أقدم مجموعة عرقية تم اقتلاعها من ديارها بعد الحرب الكونية الثانية، الأمر الذي يمكن معه اعتبار اللاجئ الفلسطيني عميد لاجئي العالم، حيث تتالت مشاهد طوابير اللاجئين وتعددت صور المخيمات الموزعة على مختلف القارات، إثر سلسلة لا حصر لها من الحروب التوسعية والنزاعات الإثنية والاحتراب الطائفي.
لذلك يمتلك اللاجئ الفلسطيني، الذي اكتوى بنار تجربة التهجير المريرة ورشف كؤوسها الطافحة حتى الثمالة، حساسية خاصة لا تتوفر لدى غيره من بني البشر، الأمر الذي يجعل منه شخصاً أشد تأثراً وأوسع ألماً مما عداه من مواطنين عاديين، وذلك كلما رأى أناساًً يدفعون دفعاً من بلادهم بقوة الحديد والنار، أياً كانت لغاتهم أو دياناتهم أو جنسياتهم على الإطلاق.
وأحسب أن عميد لاجئي العالم هذا، قد راقب بانفعال صامت، تهجير أقوام جلهم عرب ومسلمون، على مدى نحو ستين عاماً، وتابع بقلب يتفطر حزناً مصائر إخوانه وأبناء عمومته في هذه المحنة العابرة للحدود والقوميات. وأحسب أيضاً أنه كان يرثي أحوال أقرانه هؤلاء في سره ويشفق عليهم، لا سيما وأن بعضهم كان أشد فقراً منه، فيما ظروف إيوائهم بدت له أعظم بؤساً من بؤسه الخاص.
وعليه، فإنه يمكن اعتبار اللاجئ الفلسطيني شاهد العصر على تجربة اللجوء القديمة قدم الحروب والصراعات العرقية، ما يعطيه زاوية رؤية فريدة لقراءة مشهد اللجوء من الداخل، ويمنحه زاوية نظر لا تتوفر لدى غيره من المواطنين الآخرين، ممن يألمون ألماً نبيلاً ينقطع بانقطاع المشهد عن الشاشة من دون أن يثير في نفوسهم ذكريات قديمة مماثلة لما في خزانة ذاكرته الجماعية من أشجان.
لذلك فإن تعاطف اللاجئين الفلسطينيين مع غيرهم من لاجئي الحروب الأهلية والنزاعات الحدودية، هو على الأرجح تعاطف حقيقي، يملأه الأسى العميق والحسرات المبرحة، لا موضع فيه لحسّ من اللامبالاة، ناهيك عن انعدام مشاعر التشفي وروح الضغينة أو غير ذلك من تداعيات نفسية مستترة أفرزتها جراح الحرمان، وراكمتها حالات التهميش والنبذ والفقر والحصار المديد.
غير أنها قد تكون المرة الأولى التي تملكت فيها قلوب اللاجئين الفلسطينيين مشاعر الغيرة، التي تخلقت على استحياء غداة بث مشاهد الاستقبال الأخوي الحميم للاجئين السوريين من جانب الحكومة التركية، التي رحبت بهم أيما ترحيب، واعتبرتهم ضيوفاً أعزاء، فأقامت لهم مخيمات نظيفة مرتبة، وقدمت لهم الرعاية والطبابة والأمان، وراحت تقدم إليهم ثلاث وجبات يومية ساخنة.
وليس من شك في أن كل لاجئ فلسطيني مر بالتجربة المرة، قد استعاد إلى ذاكرته الغضة تلك الخيام المهلهلة التي أقيمت له على عجل قبل ستة عقود ونيف، وتلك المواقع المتربة صيفاً والموحلة شتاءً على أطراف المدن وفي الفلاة، وذلك عندما رأى صور المخيمات البيضاء المبطنة، وشاهد ملاعب الأطفال وسائر مظاهر التكريم والحرص التي تليق بأناس من شعب أبيّ تعود على استقبال اللاجئين من الجوار الجغرافي بترحاب، وأكرمهم من دون منة وبلا حساب.
وعليه، فقد تكون هذه هي المرة الأولى التي استبدت فيها اللوعة، التي لا تخلو من بعض لواعج الغيرة، بمشاعر اللاجئين الفلسطينيين، عندما شاهدوا لاجئين غيرهم يحظون بكل هذه المظاهر من الضيافة والتكريم والمواساة، ويحاطون بهذا العطف الأخوي الحميم، ما جعل بعضهم يمازح بعضه الآخر قائلاً: هكذا يكون اللجوء أو لا يكون، وهكذا تكون المخيمات من فئة خمس نجوم وإلا فلا يا أخا العرب، وليته كان في زمان لجوئنا رجل من طينة طيب رجب أردوغان.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عائدون (اسامة الراشد)

    الجمعة 1 تموز / يوليو 2011.
    هرم الناس وكانوا يرضعون،

    عندما قال المغني عائدون،

    يا فلسطين وما زال المغني يتغنى،

    وملايين ا للـحـو ن،

    في فضاء الجرح تفنى،

    واليتامى من يتامى يولدون،

    يا فلسطين وأرباب النضال المدمنون،

    ساءهم ما يشهدون،

    فمضوا يستنكرون،

    ويخوضون ا لنضا لات على هز القنا ني

    وعلى هز البطون،

    عائدون،

    ولقد عاد الأسى للمرة الألف،

    فلا عدنا ولاهم يحزنون!