تراجيديا الكازينو

تم نشره في الجمعة 1 تموز / يوليو 2011. 03:00 صباحاً

ليس من المبالغة بمكان وصف قضية الكازينو بالتراجيديا، التي نسجت فصولها في مكان غير معروف (رغم معرفة الأبطال)، ودارت أحداثها في المسرح الحكومي في الدوار الرابع، وانتهت إلى المجلس النيابي.
بداية، التراجيديا كانت في أن الخطوط العريضة لقضية الكازينو رسمت خارج الإطار المؤسسي، ثم انتقلت لتدور أحداثها داخل أروقة الحكومة. المشكلة لا تكمن في إنشاء الكازينو، وإنما في آلية اتخاذ القرار التي تكشفت فصولها من خلال تقرير لجنة التحقيق النيابية. فمن الواضح أن هناك خللا في آلية صنع القرار، والتي أعتقد أنها لا ترتبط بحكومة بعينها، ولا تنطبق على قضية محددة، وإنما بشكل عام. فمثلا، يتم اتخاذ قرار في مجلس الوزراء من دون مناقشة علنية مفصلة، ويوقع الأمناء العامون على قرارات مهمة بالتمرير، مع ممارسة كافة أشكال الضغوطات على الأعضاء للتوقيع، وهو بالمناسبة أسلوب متبع في كثير من المجالس الإدارية في العديد من المؤسسات. الشق المهم أيضا في هذه القضية هو وجود قوى خارج المجلس تضغط على بعض أعضاء المجلس باتجاه اتخاذ قرارات معينة، ما يشير لوجود أياد خفية تعمل وراء الكواليس في القرارات التي يأخذها المجلس.
لقد كان من اللافت أيضا أن بعض الوزراء قاموا بالتوقيع على قرار اتفاقية الكازينو من دون الاطلاع على مضمون القرار، ولا نعلم إذا ما كان السبب عدم إتاحة ذلك لهم، أم أنه بسبب عدم اهتمامهم بالموضوع.
السبب المباشر لهكذا حالة، هو آلية اختيار الوزراء التي لا تخضع إلى معايير موضوعية، والتي تؤدي إلى وجود أشخاص في المجلس غير قادرين على رفض تمنيات أو طلبات الذين منوا عليهم بهذا الموقع، من دون أخذ معايير المصلحة العامة بعين الاعتبار.
أما الشق الثاني من التراجيديا فتدور أحداثه على مسرح مجلس النواب، الذي حاول أن يثأر لسمعته، ويحاول أن يؤكد على دوره في محاسبة الحكومات وإثبات وجوده واستقلاليته، وأن يبيض صفحته أمام ناخبيه، واستخدام هذه القضية كدعاية انتخابية مبكرة.
هناك بعض النواب ممن هم فاقدو الأهلية المعنوية للبت بقضايا الفساد، حيث إن وصولهم للبرلمان لم يكن خاليا من استخدام أساليب غير قانونية، كشراء الأصوات والتزوير والرشوة وغيرها. ولكن، وبالرغم من ذلك، فقد اتخذت المناقشات طابع المحاكمة السياسية، التي كانت تطغى على الأبعاد القانونية من خلال مداخلات عدد كبير من النواب ركزت على معارضتهم لإقامة الكازينو، والذي تم إيقافه من الحكومة، أكثر من تركيزهم على المخالفات القانونية التي كشفت ملابساتها لجنة التحقيق، بالاضافة إلى "حرد" أو "زعل" عدد من النواب لأن الأمور سارت باتجاه معاكس لرغباتهم.
لقد كشفت قضية الكازينو عن وجود خلل دستوري كبير في حصر صلاحيات البت بقضايا الفساد المحتملة للوزراء بمجلس النواب، وليس بالادعاء العام أو القضاء. إن ذلك يوفر حماية وحصانة غير مقصودة، يمكن استغلالها من قبل البعض. والأصل أن تكون قضايا الفساد في عهدة القضاء الذي يتمتع بالكفاءة والنزاهة المطلوبتين للتعامل مع مثل هذه القضايا الحساسة. لذلك، فلا بد من إعادة النظر بهذه المادة من الدستور.
كذلك، فقد كشفت قضية الكازينو عن خلل هيكلي في طريقة عمل مجالس الوزراء، ما يستدعي إعادة هيكلته، ليصبح أكثر كفاءة في إدارة شؤون البلاد والعباد.
وأخيرا، فإن المسألة المهمة التي يجب الإشارة إليها، هي أن الذي كشف القضية ليست الأجهزة الرقابية الحكومية الكثيرة، والتي على رأسها ديوان المحاسبة والرقابة المالية لدى وزارة المالية، بل الصحافة التي يسجل لها حرفيتها ووطنيتها في هذه المسألة.

التعليق