د.باسم الطويسي

في انتظار الوحي السياسي

تم نشره في الأربعاء 22 حزيران / يونيو 2011. 03:00 صباحاً







تسود حالة من الإرباك السياسي الاستراتيجي في تقدير الموقف حول مستقبل الثورات العربية؛ في المجتمعات التي تجاوزت العتبة الأولى نحو التغيير، وفي المجتمعات الأخرى التي تصارع من أجل التغيير، وتلك تتطلع نحو التغيير. وبينما تنتشر حالة من الاكتئاب الاجتماعي والسياسي حول ثورات مأزومة وأخرى قيد الاختطاف ومجتمعات تضرب رؤساءها بالجدران، ثمة زحام من المعلومات ومعرفة أقل حول تفسير الأحداث ومستقبلها.
لا يحتاج فهم هذه المرحلة إلى الجلوس بانتظار الوحي السياسي واجتراح المعجزات، فالتقدير الموضوعي يفترض مرحلة انتقالية صعبة ومعقدة لها خصائصها المتناقضة، وتحتمل سيناريوهات مربكة أيضاً. نلاحظ ذلك في المجتمعات التي لم تتجاوز العتبة الأولى في التغيير كما هو في حالات ليبيا واليمن وسورية، كيف يصوغ كل مجتمع مسارا مختلفا ومتناقضا تفرضه خبرة كل مجتمع مع النظام السياسي، ومحددات البيئة الدولية ومصالح الفاعلين فيها. في المقابل، تتجه المجتمعات التي تجاوزت عتبة التغيير الأولى إلى مسارات أخرى لا تقل ارتباكا وغموضا.
لقد تطور "علم الانتقال السياسي" خلال العقدين الماضيين بشكل كبير. فقد قدمت تجربة التحول نحو الديمقراطية التي شهدتها دول أوروبا الشرقية خبرة عملية وعلمية غنية في تفسير مرحلة الانتقال السياسي، وتوقع الكثير من ملامح الصراعات والتفاعلات السياسية والاجتماعية، وطبيعة القوى السياسية الفاعلة وقواعد اللعبة السياسية الجديدة.
وعلى أهمية ما يقدمه "علم الانتقال السياسي" وخبرته الأوروبية تحديداً من معرفة وخبرة، إلا أن التجربة العربية التي لا تكاد تتشكل، من المنتظر أن تقدم إضافة تاريخية نوعية سوف تفرز منظورا مستقلا في علم الانتقال السياسي، حيث تُطور التفاعلات الجارية مفاهيمها الخاصة للانتقال السياسي، وتحدد طبيعة القوى الفاعلة، وتعيد صياغة مفهوم القوة من جديد.
الفكرة الأساسية التي نحتاج إلى استيعابها جيداً هذه الأيام تقول بأن التجربة العربية الطازجة في الانتقال السياسي، والتي يتعلم منها العالم هذه الأيام، تحتاج هي أن تستفيد من الخبرات التاريخية الأخرى في تقليل جرعة التشاؤم التي تسود الخطاب الإعلامي العربي بين وقت وآخر، والتقليل من حدة الخطاب التفسيري للتحولات الراهنة، فما يزال المسار التاريخي للأحداث في معدلاته الطبيعية وفي إطار المعقول والمقبول السياسي.
في انتظار كتلة ديمقراطية مستقلة، تبدو أحوال الإصلاحيين في الكثير من البلدان العربية الأكثر مدعاة للكآبة في هذه اللحظة التي لا يحسدون عليها، لأنها إذ تفتح أوسع الأبواب للإصلاح فإن هذه اللحظة تفتقد العمق المجتمعي، بمعنى القدرة على خلق الالتفاف المجتمعي حول رؤية إصلاحية واضحة وسلمية. الكتلة التاريخية المنتظرة وحدها التي  تملك قدرة وإرادة الهدم والبناء معاً، وتستطيع تحمل آلام التغيير واستيعابها، وتتمكن من إعادة تأهيل النقد الذاتي على قواعد العقلانية، والوصول إلى الناس والدخول في اشتباك مع الحفائظ الداخلية والصور الذهنية والثقافة الشعبية. فأول مطالب الخروج من حالة الفصام في سياق حركة الإصلاح أدراك كنه العملية الإصلاحية بوجود كتلة تمثل العمق المجتمعي.
عملية الانتقال السياسي، باختلاف مناهجها التاريخية، تحتاج إلى صبر تاريخي وعقلانية سياسية من نوع خاص في التعامل مع الأحداث وتوقع التحولات، حيث تسود المجتمعات المنتقلة ثقافة خاصة مملوءة بالشك والريبة والاتهامية والحذر. الكل يحتاج أدوات سياسية واجتماعية وإعلامية خاصة بالتعامل مع هذه الثقافة الطارئة، وليس مجرد انتظار الوحي من الغيب. المهم أن تبدأ عملية الانتقال، وأن تتجاوز سريعا عملية الاحتضان والرعاية، وأن ترسي قواعدها الذاتية للعبور حتى وإن زادت آلامها.

التعليق