عيسى الشعيبي

سورية بين تركيا وإيران

تم نشره في الثلاثاء 21 حزيران / يونيو 2011. 03:00 صباحاً

بينما تبدو إسرائيل، وهي تمثل أحد أضلاع المثلث الإقليمي الفاعل في الشرق الأوسط، بلا حول ولا قوة إزاء تطورات الأزمة السورية المتفاقمة، يبدي الضلعان الآخران في هذا المثلث، تركيا وإيران، حضوراً مهماً، إلا أنهما يلعبان دورين مختلفين حيال متغيرات واقع سوري يخاطب على نحو مباشر المصالح الراهنة والمستقبلية لكل منهما في عموم هذه المنطقة المفتوحة أمام مختلف اللاعبين الإقليميين والدوليين الكبار.
ولما كانت سورية تقع في موقع القلب من منظومة إقليمية كانت في طور التشكل، بدوافع متقاطعة جزئياً حول مجموعة من الأهداف المشتركة للدول الثلاث، فقد بدت التطورات السورية العاصفة منذ ما يزيد على ثلاثة أشهر، تدفع بالحليفين الكبيرين هذين إلى التحرك الحثيث نحو الأخ الأصغر لهما، لتعويمه من جديد، وذلك بإنقاذه من شر أفعاله بنفسه أولاً، ودرء التداعيات السلبية المحتملة على مصالحهما ونفوذهما الواسعين في المنطقة الحبلى دائماً بشتى المفاجآت ثانياً.
وكان من الطبيعي أن تعمد كل من أنقرة وطهران، تحت تأثير المفاجأة، إلى اعتماد سياسة تدخّل، قوامها النصح والإرشاد في بداية الأمر، تتفق ورؤية كل من هاتين العاصمتين لنفسيهما، وتتسق مع خطابهما، وتتماهى مع تموضعاتهما على جانبي خط التنافس الذي تتمترسان على جانب يقابل الجانب الآخر، حتى لا نقول إنه يتنافس معه على توسيع دوائر الولاءات والحصص والامتيازات، ناهيك عن سنام القمة التي لا تتسع لكائنين معاً.
غير أنه عندما واصل النظام السوري حفر الحفرة التي وقع فيها، وبات يواجه مصيراً يتهدد بقاءه، افترق الحليفان السابقان بصمت صاخب عن بعضهما بعضاً، واختلفا على نحو لا تخطئه العين في أسلوب التعاطي مع مفردات الأزمة الفائضة عن حدود الرقعة الجغرافية السورية، حيث راحت طهران تقدم الدعم السياسي بلا أدنى تحفظ، دفاعاً عن نظام أخذ يوغل في سفك دماء شعبه ويفقد مع مرور الوقت المزيد من شرعيته، فيما اتخذت أنقرة موقفاً مدافعاً عن مطالب السوريين بالإصلاح، ومنتقداً بنبرة متصاعدة الحدة وحشية النظام وفظاعاته المروعة.
ومع تفاقم الأزمة السورية واحتدامها، انتقل الحليفان من موقع النصح وإبداء القلق على مصير حليفهما العاجز عن احتواء الثورة على نظامه الأمني المتوحش، إلى فضاء واسع من المواقف والسياسات المعبرة، مرة أخرى، عن رؤيتين مختلفتين، وحسابات متعارضة، ناهيك عن المصالح التي تقف دائماً وراء صراعات الدول الإقليمية الباحثة عن تعزيز الدور وأخذ الزمام والاستحواذ على مستقبل بلد كان يمثل البوابة العريضة لبناء ما يسمى بجبهة الممانعة التي تقودها إيران من جهة، فيما كان يمثل بالمقابل المجال الحيوي الطبيعي لتركيا الصاعدة في محيطها من جهة أخرى.
وهكذا راح الإيرانيون يقدمون ما هو أكثر من الدعم السياسي والإعلامي للنظام الذي يزداد عزلة وتهميشاً داخل سورية وخارجها، حيث تتحدث تقارير غربية عن دعم لوجستي وإسناد استخباري وأمني تقدمه كل من إيران وحزب الله، فيما ذهب الأتراك إلى التنديد بالقمع وسفك الدماء علناً، واستقبال الفارين من جسر الشغور وجوارها كضيوف أعزاء على الحدود المشتركة، بل وحتى التلويح بإمكانية الانخراط في تحالف دولي إنساني واسع لوقف حمام الدم وإنهاء المأساة المتفاقمة يوماً بعد يوم.
ولعل إقدام السوريين المنتفضين على إحراق أعلام إيران وحزب الله أمام كاميرات الهواتف النقالة من جهة أولى، ورفع العلم التركي ويافطات الشكر لرجب طيب أردوغان من جهة مقابلة، خير شاهد على إعادة اصطفاف جديد قيد التشكل من الآن، ستجد فيه إيران نفسها وقد خسرت مفتاحها الذهبي إلى قلب العالم العربي المصدوم من جراء انحياز تفوح منه رائحة مذهبية كريهة، فيما ستلقى فيه تركيا أوسع الأبواب المفتوحة على مصارعها مع عالم عربي راغب في محاكاة نموذجها السياسي، ومن ثم توطيد دورها كقوة استقرار ومركز اعتدال في المنطقة، قبالة دور إيراني متراجع بتراجع النموذج الإيراني في عقر داره، ناهيك عن فقدانه لمعظم أوراقه الإقليمية الرابحة.

التعليق