د.باسم الطويسي

نحن وتركيا في اليوم التالي

تم نشره في الأربعاء 15 حزيران / يونيو 2011. 03:00 صباحاً

يشكل فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات العامة للمرة الثالثة على التوالي في تركيا بداية مرحلة جديدة في تشكل الشرق الأوسط القادم عبر المدخل التركي الجديد، الآخذ في المزيد من الترسخ، ليس كقوة إقليمية صاعدة وحسب، بل كمنظومة جديدة من القيم السياسية والثقافية ذات الجاذبية العالية لنخب وشعوب مثقلة بتركة هائلة من الاستبداد والفساد، وثورات طامحة جديدة تبحث عن نموذج تقتدي به.
تركيا القادمة في اللحظة التاريخية الثالثة لحزب العدالة والتنمية التي يصوغها رجب طيب أردوغان، تنطلق نحو إنضاج النموذج المختلف الذي يطرح وصفة غير تقليدية للتغيير نحو التنمية والديمقراطية والحداثة ونوعية الحياة، وهو النموذج القائم على الخصوصية والانفتاح ضمن سياق إسلامي جديد يدمج بمهارة بين الحداثة السياسية والمحافظة الاجتماعية والانطلاق الاقتصادي الذي عمل على زيادة نصيب الفرد من الدخل القومي إلى ثلاثة أمثاله خلال عقد واحد فقط.
في خطبة النصر ليلة الانتخابات، أهدى أردوغان هذا الفوز غير المسبوق في تاريخ تركيا إلى مدن عربية (غزة، ورام الله، ودمشق..) جنباً إلى جنب المدن التركية، في الوقت الذي حذر فيه النظام السوري من الاستمرار في قمع شعبه، في إشارة واضحة وجريئة للدور التركي المنتظر في سياق الثورات العربية القائمة والأخرى المنتظرة.
في المقابل، يراكم النموذج التركي نجاحاته وإنجازاته التي تقدم جاذبية خاصة للثورات العربية الحائرة والنخب والكتل التاريخية الجديدة، علاوة على الشعبية الطاغية التي تتمتع بها النخبة السياسية التركية في أوساط الرأي العام العربي، وعلى رأسها أردوغان، حيث تتشكل له صورة ذهنية ذات رمزية خاصة وسط العامة العربية، وتحديداً بعد حادثة دافوس واحتجاجه على سلوك الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز، ثم حادثة سفينة السلام التركية التي قصدت المساهمة في فك الحصار عن غزة، بينما يترسخ هذا الإعجاب وسط النخب العربية في ضوء النجاح الاقتصادي المدعوم بصعود سياسي وقوة ناعمة ذكية.
من المتوقع أن تدخل تركيا في حرب باردة مع أنظمة عربية وصفت أردوغان مؤخراً بـ"العثماني الجديد"، وتنشر دعاية مركبة حول نفوذ تركي وأطماع جديدة في المجال العربي الرخو. وعلى الرغم من التوقع بأن تتعامل النخبة هناك بلياقة سياسية عالية مع العالم العربي، إلا أن النظام العربي الرسمي سيخسر خسارة مضاعفة إذا ما تعامل بنفس الطريقة والروح التي تعامل فيهما مع إيران خلال السنوات الماضية.
الدور القادم لتركيا الجديدة لن يعتمد على القوة الصلبة وحدها، بل إن أهم مفصل فيه كما يبدو سيكون في كفاءة استخدام القوة الناعمة من خلال الدبلوماسية الناعمة والدبلوماسية الشعبية والثقافة والإعلام. والمهمة التركية لن تكتفي برسم صورة جديدة للأتراك ودولتهم، بل ستتجسد في نشر قيم سياسية وثقافية جديدة تدشن البنية التحتية للشرق الأوسط الجديد الذي يعتقد كثيرون أنه فكرة قيلت وماتت.
النظام العربي الرسمي من المحتمل أن يدخل هو الآخر دورة تغيير جديدة، سيكون الجوار التركي أحد مفاتيحها المهمة إذا ما استطاع أن يحول التحدي التركي من صيغة الندية إلى الشراكة، ليس في الاقتصاد والاستثمارات والعمالة، بل الأهم من ذلك كله في القيم السياسية.

basim.twessi@alghad.jo

التعليق