دم جديد في حزيران

تم نشره في الثلاثاء 14 حزيران / يونيو 2011. 03:00 صباحاً

يعود حزيران هذا العام مغمسا بالربيع العربي، وبداية عودة الروح لأمة منكسرة. ولكن لم تلبث أن أصابتنا نكسة جديدة، هذه المرة بصناعة عربية وبامتياز خالص، لتصيب من جديد أبناء اللاجئين والنازحين الفلسطينيين الذين دفع آباؤهم الثمن مرات عديدة على مدار أكثر من ستة عقود أليمة. إذن، لا شيء يتغير؛ فالضحايا يتوارثون الدم جيلا بعد جيل، والقتلة يتوارثون الرصاص جيلا إثر جيل! إنه ذات الضحية التي ذبحت في النكبة والنكسة والاجتياح، وهو ذات الثمن الذي يسهل دفعه في زمن التآمر والخنوع، إنه دم الفلسطيني المخضب بحب الوطن الذي ينتظر عودة أبنائه المكللين بالغار.
حماة النظام فتحوا الديار السورية صوب "الجنة"، وتلاعبوا بعواطف أبناء النكبة والنكسة، ليحملوا أرواحهم على أكفهم صوب بوابة الشمس، كما وعدوا آباءهم بالنصر والسلاح في أيار وحزيران، وعدوا الأبناء فكان الخذلان هو ذات الخذلان، وسال الدم الفلسطيني ثانيا وثالثا ورابعا و..!
بوابة فولاذية بقيت مغلقة على الجولانيين من الجانبين منذ حرب لا أعرف تسميتها ولكنها وقعت في العام 1973، يتم فتحها ببرود أمام عشاق الوطن من الفلسطينيين. هي خدعة جديدة لنظام يرتقي على الدماء ويعتاش على الأرواح، وكانت مؤامرة مشتركة والغطاء متوفر من الباحثين عن أدوار البطولة. سقط الشهداء عاليا، واخترق رصاص الحقد والكراهية الصهيوني الصدور العارية تماما إلا من عشق الوطن والأرض، والموت في سبيل الحياة والحب.
في مخيم اليرموك كان تشييع شهداء دروب العودة، وهو مشهد معتاد للفلسطيني وإن اختلفت المنطقة الجغرافية، لأنه على علاقة حميمة مع الموت عندما كان الإدراك بتوظيف شباب يحتلهم الحلم والحب لأرض الوطن لتخفيف الضغط على نظام يتعرى تماما حتى من ورقة التوت وبتواطؤ مسبق من حملة الإرث الفلسطيني المقاوم. سنوات طويلة والبوابة السورية على الجولان لم تخضب بالدم العربي، ولم يجرؤ أي تنظيم أو فدائي على التفكير بالتسلل من تلك البوابة لأنه لا يعرف من أين تأتي الرصاصة. لماذا الآن وفي هذا التوقيت؟ ولماذا لم يشارك الفلسطيني الصاعد إلى حتفه أشقاءه من السوريين لاختراق البوابة الفولاذية نحو الجولان السورية؟ لأنها المؤامرة بحق الفلسطيني، والتي شارك فيها فلسطيني أيضا. وهو ما أدركه المشيعون في مخيم اليرموك وانتفضوا بوجه من وعدهم بالسلاح في لحظة التلاقي مع الوطن، ولكن من وعد لم يوفر لهم الرصاص إلا في المخيم، ونحو صدورهم العارية، فكان موتا مجانيا آخر، ولكن هذه المرة برصاص الفلسطيني نفسه، والذي فقدت بندقيته قبلتها ووجهت نحو الشقيق، وسط تواطؤ من الأمن السوري الذي لم يتدخل لإنقاذ الشهداء قبل سقوطهم برصاص خصص أصلا "للمقاومة".
قدر الفلسطيني دائما أن يكون الورقة التي يلوح بها من يريد اختصار المسافة والزمن نحو قلوب عشاق الحرية والحياة، وغالبا ما تم توظيفه لخدمة مآرب خاصة بعيدا عن المعلن. هي كذبة أخرى في مسلسل الممانعة والصمود ومحاولة من نظام ملطخة يداه بكل أنواع الدماء إلا الدم الصهيوني، لإيجاد متنفس له لعل الحياة تعود من جديد في الأطراف الباردة التي تفوح منها رائحة الموت.
الدم الفلسطيني غال وأثمن من أن يوظف لخدمة أشخاص أيا كان هؤلاء الأشخاص ومنزلتهم، ووحدها فلسطين وثراها من تستحق أن تسال عليها هذه الدماء، ولكن أيضا ليس بالمجان.

التعليق