"ليس سهلا أن تكون ملكا"

تم نشره في السبت 4 حزيران / يونيو 2011. 03:00 صباحاً

اخترت عنوان هذه المادة ليكون ذات عنوان كتاب سيرة ذاتية للملك الحسين رحمه الله، لأن ما دفعني للكتابة ما ورد في هذا الكتاب، وتحديدا تلك الاستخلاصات التي ترسخت في ذهن الحسين يوم أن كان اغتيال الملك المؤسس عبدالله الأول رحمهما الله في المسجد الأقصى. وهذا الكتاب الذي وثق جزءا من سيرة الحسين توقف عند المرحلة التي رزق الله بها الحسين بابنه الأكبر، الأمير عبدالله في بداية الستينيات من القرن الماضي، أي يوم أن كان الحسين رحمه الله في السادسة والعشرين من عمره.
وما سأتوقف عنده تلك القناعات التي لا تحتاج إلى كبير عناء في الشرح والتوضيح، لأنها تقدم نفسها لمن يريد الاستفادة. ولعلي أقدمها بشكل دقيق عندما اقتبس من الكتاب، وكما قالها صاحب السيرة رحمه الله، حيث يقول واصفا اللحظات التي تبعت عملية إطلاق النار على الملك المؤسس على أبواب المسجد الأقصى في القدس: "كنت قرب البوابة وحين اندفعت صوبه (أي منفذ عملية الاغتيال) رأيت من طرف عيني أن معظم من يدعون أنفسهم أصدقاء جدي كانوا يفرون في كل اتجاه. أكاد أراهم الآن، هؤلاء الرجال الوقورون ذوو المكانة العالية وقد تكوروا على أنفسهم في عباءاتهم الفضفاضة وتفرقوا وكأنهم عجائز محنية مرتعبة. تلك الصورة أكثر من وجه المجرم بقيت معي منذ ذلك الحين كتذكار على مدى هشاشة الالتزام السياسي...".
وفي مكان آخر من تلك السيرة الذاتية، وفي الصفحة 29 من النسخة العربية، يعود الحسين رحمه الله الى القضية ذاتها التي يبدو كم أثرت به، حيث يقول حول الفترة السياسية التي تلت وفاة جده رحمهما الله: "... وقد شعرت بالارتياح حين علمت أن والدي قد بدأ على ما يبدو يتعافى من مرضه في سويسرا، وكنت آمل أن أتمكن من العودة إلى كلية فكتوريا بعد عودته مبتعدا عن شهوة السلطة والجشع الذي تلا وفاة جدي، وصراع السياسيين الطامعين بفتات المناصب مثلهم في ذلك مثل أقارب تتآكلهم شهوة المال وقد تحلقوا حول قارئ الوصية. لم تكد تمضي بضع ساعات حتى بدأ السياسيون مكائدهم. كان ثمة من يتهامسون إن كان والدي في وضع يمكنه من خلافة جدي على العرش، وكان ثمة آخرون يأملون في أن لا يتولى العرش قط لأنهم يريدون السلطة لأنفسهم. ولأني كنت عديم الحيلة في تلك اللحظة، فقد كنت مضطرا لمراقبة الطريقة التي يغير فيها أصدقاء جدي تحالفاتهم من دون أي تفكير بالبلد. رأيت عمله العظيم يتعرض للخطر بسبب ضعف من كانوا قريبين منه، والطريقة التي سمحوا فيها للانتهازيين بالتدخل حتى وإن كان ذلك يعني تدمير الأردن الصغير".
من المؤكد أن هذا النص يتحدث عن جوهره، ويقدم نفسه للناس ولأصحاب القرار بكل ثقة واقتدار. وهو محصلة تجربة قاسية وصعبة، لكنها أيضا خالية من الشكليات وحقيقية؛ فهي مذكرات للحظات لا يمكن لعناصرها إلا أن يكونوا كما هم، ومهما بلغت قدراتهم في مجال التزلف والبلاغة والظهور بوجوه وقلوب وألسنة متعددة إلا أنها لحظات لا يمكن معها لأي شخص إلا أن يكون هو.
ما بين الولاء للوطن وقيادته والولاء للمصلحة الذاتية التي تتحقق بشكليات الولاء للقيادة، مسافة شاسعة عبّر عنها الحسين في لحظات صدق.

sameeh.almaitah@alghad.jo

التعليق