ياسر أبو هلالة

الصحافي ناشطا سياسيا أفضل من خامل

تم نشره في السبت 28 أيار / مايو 2011. 03:00 صباحاً

عندما شارك لطفي حاجي في العام 2005 في إضراب الجوع الذي عرّى قمة المعلوماتية في تونس، هل قام بما يخالف المعايير الأخلاقية والمهنية للصحافي؟ بالتأكيد خالف عند من كانوا في خدمة نظام زين العابدين بن علي، والذي أراد تسخير تلك القمة العالمية تجميلا وتزيينا لنظامه القبيح. الصحافي "المهني" هو من يركض وراء كبار المسؤولين الذين حضروا القمة، من الرئيس بن علي حامي حمى المعلوماتية وحرية التعبير، إلى الوزراء الإسرائيلي والأميركي والفرنسي وغيرهم من سادات الحرية وأعيانها.
في الواقع إن الصحافي الذي يناضل من أجل الحريات العامة، وفي جوهرها حرية التعبير، هو من يلتزم بالمعايير الأخلاقية والمهنية. ومن يغطي بأدوات العلاقات العامة والدعاية مناشط الأنظمة التسلطية، إنما هو شريك لها في جريمة التضليل والتغطية والتزوير. وهو كالطبيب الذي يكذب على مرضاه، يقودهم المرض إلى الموت وهو يطمئنهم أنهم أصحاء ولا داعي للعمليات الجراحية المؤلمة والأدوية المُرة.
مثال لطفي حاجي واضح لأن نظام الاستبداد سقط، وغدا من كانوا "مهنيين" في عهده يتوارون من الناس، ويزعمون أنهم كانوا مجبرين وخائفين ومضطرين. وقد عرفت تونس نماذج من سقوط الصحافيين تماما كما عرفت مناضلين دفعوا كلفا عالية لمواقفهم. والصحافي في النهاية، بوعي أو من دون وعي، هو ناشط سياسي وثقافي وفكري، ولا يعيبه ذلك، ما يعيب أن يكون خاملا في مجتمعه غير قادر على التأثير.
ليس في العالم العربي وحده. لقد وقفت كريستيانا أمانبور بالمرصاد لمجرمي الصرب في البوسنة، وظلت في "سي. أن. أن" تحرض على تدخل "الناتو"، ولولا الغارات التي أمر بها بيل كلينتون لتضاعف عدد المقابر الجماعية والنساء المغتصبات. وفي نظام زيمبابوي الاستبدادي (وللأسف هو من الأنظمة التحريرية ضد الاستعمار في أفريقيا)، وقفت "بي. بي. سي" على الحدود متحدية ومنددة بقرار منعها من الدخول. في الصراع العربي-الإسرائيلي المسألة سهلة، الصحافة العربية تقف مع الفلسطينيين، والغربية تراوح بين تردد وبين انحياز للمعتدي الصهيوني، وكل ينشط باتجاه. في الثورات العربية شهدنا انقساما حادا. ومحرك "غوغل" يكشف أين كان يصطف الصحافيون والكتاب، وكيف تبدلت المواقف مع نجاح الثورات.
في الثورة السورية شرفني "شبيحة" النظام السوري باتهامي في مواقعهم الإلكترونية، من "عرب تايمز" و"شاكو ماكو" وغيرها، بالعمالة للمخابرات الأردنية والقطرية (والموساد لاحقا!) بعد مقالي عن أحمد المسالمة أحد فرسان درعا الذين ترجلوا، وقد تواصلت معهم بصفتي إعلاميا معنيا بالشأن العربي، سورياً كان أم غيره. والمخبرون الذين يتسترون بمهنة الصحافة لا يقدرون على كتابة مقال ولا تقرير صحافي، ولكنهم يتقيؤون وشايات وبذاءات تكشف من أي مستنقع ينهلون.
هل يمكن أن تقف الصحافة على مسافة واحدة ممن ارتكب جريمة تعذيب الفتى حمزة الخطيب ابن الثلاثة عشر عاما ومن أزهقت طفولته؟ بأي لغة يمكن قول "قطع العضو الذكري لطفل"؟ المشكلة أن القطرة التي أفاضت الكأس اعتقال أطفال درعا، فهل يريد النظام الانتقام من الطفولة؟
باختصار، في مراحل النضال ضد الاستعمار تاريخيا، كان الصحافيون "نشطاء" ضد الاستعمار، تماما كما هم اليوم نشطاء في مرحلة النضال ضد الاستبداد. وهذا دور محمود بقدر ما هو ضروري ومطلوب. فالاستبداد عدو للصحافة، وصراعها معه صراع وجودي.

التعليق