محمد برهومة

لا تسرّوا بالحديث عن الدولة المدنية!

تم نشره في الجمعة 27 أيار / مايو 2011. 02:00 صباحاً

يُقال إنه ليس "هناك في منطقتنا، حتى بعد (الربيع العربي)، نموذجٌ يكرّس للتنوّع والتسامح والعدالة من دون أنْ يدمّر معه هويات أخرى مسببة للانقسام". فالنّاس انتفضوا ينشُدون الكرامة والحرية، لكنهم لم يؤسسوا لأنوية محلية تشكّل مضمونا عاما لنموذج ينتقل من حلم الدولة المدنية، التي لم تخلُ من استبداد وقمع وسلطوية، إلى حلم الدولة الديمقراطية، وتداولُ السلطة سلميا أهمُّ مبادئها. فالدول التي انتفض الناس على أنظمتها كانت دولا مدنية، ولم تكن دولا ثيوقراطية أو دينية أو عسكرية، لكنها بالتأكيد لم تكن دولا ديمقراطية. وغياب تشكّل أولي لهذا النموذج العربي لما بعد الثورات والاحتجاجات العربية هو ما دفع القبطي نجيب ساويرس، زعيم حزب "المصريين الأحرار" للقول إنه "في حال تطبيق (الإخوان المسلمين) لـ"المثال التركي" في مصر فأنا أولّ من سيقول.. يحيا الإسلام". من هنا لا يكفي إصرار التيارات الإسلامية أو غيرها من التيارات على "مدنية" الدولة التي ينشدون قيامها في حال استلامهم للحكم. فالانقسامات الدينية والطائفية والقبلية الراسخة في منطقتنا، والتي تشكّل أكبر تحدّ لما يُسمى بـ"الربيع العربي"، إنما تعني أن معضلة "الهوية" لا تجد لها معالجة أو مقاربة من دون الديمقراطية، التي تعني في عمق جوهرها المساواة الكاملة السياسية والدينية بين المواطنين.
لم تخلُ الدولة المدنية من بِدَعٍ كرّستْ جمود المجتمعات العربية، ومنعتْ تطورها وعطّلتْ طاقاتها وأهدرتْ المساواة والعدالة بين سكّانها، فكانت المحاصصة ومحاذير "التوازن الهش" وترسيخ المناطقية، جزءا من دول تغنّتْ في دساتيرها ومناهجها الدراسية وفي إعلامها بأنها دول مدنية حديثة، وكانت "الاستثناءات" فيها مكوّنا أساسيا في القانون والسياسة والتعليم والصحة، بدلا من التعاطي معها (أي الاستثناءات) في أضيق الحدود، لا أنْ تكون مكوّنا أساسيا من المشهد العام على مدى عقود طويلة.
الدول المدنية، لم تخلُ من فساد وضع الولاء قبل الكفاءة والمهنية والجدارة. الدولة المدنية بلا شك مرحلة متقدمة جدا عن نموذج الدولة الدينية أو الحكم العسكري والبوليسي، لكنها بالتأكيد ليست كافية وحدها كضمانة لإشاعة الحريات وتأسيس عقد اجتماعي يقوم على التعاطي مع الناس كمواطنين متساوين وليس كرعايا أو طوائف.
في الدولة الديمقراطية ينهض مفهوم الشعب والمجتمع راسخا، فيما يظل مفهوم الجماعات والمكونات الاجتماعية راسخا في الدولة المدنية، حتى في أحسن حالاتها.
لقد كتبتُ مقالتي هذه متأثرا بفكرة الباحث التونسي محمد الحداد، التي يقول فيها إنّ مدنية الدولة لم تمنعها تاريخياً من الاستبداد، وعلى هذا الأساس، فإن الحكم في المجتمعات المسلمة السنّية كان مدنياً ودكتاتورياً في آن واحد، وتواصل الأمر على هذا النحو منذ معاوية بن أبي سفيان إلى العصر الحاضر. وبما أن كتاب "الأحكام السلطانية" للماوردي (القرن الحادي عشر ميلاديا) يعتبر عادة المرجع الأهم في الفكر السياسي السنّي، فإننا نجد فيه أصل الداء، يتابع الحداد، فقد ربط صاحبه بين مدنية الحكم واستبداد الحاكم: فالتوجه السنّي العام يعتبر الخلافة عقداً مثل كل العقود المدنية الأخرى، نافياً كل مصدر للشرعية غير الاختيار من مجموعة بشرية لبشر مثلهم يتولى السلطة، لكنه في الوقت نفسه استبطن الاستبداد السائد في عصره، بأنْ جعل هذا العقد تفويضياً، أيْ إنه يحصل مرة واحدة ويستمر من دون تحديد زمني، فعقد البيعة مصدر الشرعية للحاكم، لكن إذا حصلت هذه البيعة تواصل الحكم مدى الحياة، بل جاز للحاكم أن يورثه أيضاً لمن يختار (ولأبنائه تخصيصاً) مثلما يملك شخص ويورث حقاً من الحقوق التي اكتسبها بمقتضى عقد مدني. وعلى هذا الأساس، لا نكاد نجد في التاريخ العربي الإسلامي حاكماً تخلى عن السلطة بمحض إرادته.
إنّ فصل المدنية عن الديمقراطية ليس حلماً مُشتهى ولا حلاً نموذجياً.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الدين و التدين (حمزه غرايبه)

    الجمعة 27 أيار / مايو 2011.
    الدين هو الحققية المطلقة و لكن التدين و يتمثل في فهم الدين ِأو طريقة تطبيقة في الواقع ، يبقى كسبا بشريا و ذا علاقة بالمستوى الحضاري و العلمي للأفراد و الجماعات . فهو- التدين - قابل بل يجب ان يقبل إعادة النظر في الفهم و التطبيق و التطوير المستمر تأثرا بتراكم التجارب السابقة و الإنجازات الإنسانية المتسارعة على كافة الصعد
    و عندما يتوفر لذلك مؤسسات قوية - بكل المقايسس - و مستقلة يمكن ان يكون ذلك رافعة حضارية ليس على مستو ى الوطن فحسب ، و انما على المستوي الإنساني . فما احوج الانسان لان يطير بجناحي الروح و المادة . علما بإن كلا منهما يقوي الآخر و يدعمه و يحميه . اذا نطمت العلاقة بين الجناحين بطريقة اشرف عليها جمع من الحكماء و الأحبار يمتازون بالقوة و الأمانة مستبطنين الحكمة القائلة : دائما يمكن الإبداع دائما خير مما هو كائن او كان .