نادر رنتيسي

"اللابتوب" يمشي وأنا المحمول!

تم نشره في الجمعة 20 أيار / مايو 2011. 03:00 صباحاً

توقَّفتُ عن المشي إلى الأمام، حتى كدْتُ أظنُّ أنَّني لن أستطيعَ، في يوم قريب، بلوغَ الألفيَّةِ التي لم تعُدْ جديدةً؛ تعِبَتْ قدمايَ من التلكؤ على آخر عتبة من عقد التسعينيات، لما استَرَحْتُ إلى الاعتقادِ أنَّ الحياةَ استنفدَت دهشَتَها، وأنَّنا سنعيشُ التفاصيلَ ذاتها، ونبدأ العدَّ من ثلاثة أصفار، بعد الرقم اثنين!
وبالغتُ في الترويج أنْ لا شيءَ سيتغيَّر: الوصولُ إلى الحبيبات سيبقى مُتَعثِّراً ويعتمدُ على وسائل تقليدية مطوَّرَةٍ، لا تتعدى "إيميل" متقشِّفا قد يعده "الإنترنت" المحدود السرعة.. بريداً عشوائياً، أما الحنين إلى البريدِ الورقيِّ ورنين الهاتف الأرضيِّ الغليظ كجرس المدرسة، فسيأخذُ شكلَ البكاء على الأطلال، مع اليقين أنَّ هامشَ "الغَيْب" سيغدو محدودا، وأنْ لا مفاجأة أكثر من "موبايل" يحمِلُ اسم "نوكيا" ورقما ذائعا هو 3310.
المزاجُ العام سيظلُّ خاملاً، لا يترقَّب أكثر من سقوط شهيد في "بيت حانون"، وآخر يموتُ ببطء في "رام الله"، ويُفترضُ بالطبع أنْ يصدرَ بيان شجب من الجامعة العربية (نستمع إليه باهتمام بالغ من المذيع الشديد المَهَابَةِ)، وستجري انتخابات رئاسية "نزيهة" في بلد شقيق جدا، يتمخَّضُ عنها فوز المرشح الوحيد لولايةٍ سابعة أو ثامنة، وتؤكِّدُ الأنباءُ أنَّ القمَّةَ العربيَّةَ ستنعقدُ بموعِدها الدوريِّ بتخلف زعيم واحدٍ بـ "داعي الوفاة الطبيعية"! 
لا أكثر أو أقل كان متوقعاً، حتى حبُّ الحياة كنتُ على قناعةٍ تامَّةٍ أنَّه سيحتفظُ بمنسوبه الشحيح، فلا يرتفعُ، إلا إذا أبدت الحكومة حُسْنَ نيَّةٍ بالالتزام (غير المُلزِمِ في كلِّ الظروف والأحوال)، بعدم رفع سعر الماء، مع ضرورة أن تذكرنا (بدافع المِنَّة) أنَّ سعرَ الخبز "مناسب" تماما لوجبة خالية الدسم، ولا تتوانى في الوقت الذي نكادُ فيه أنْ نتورَّطَ بالصدق، عن التحضير (بشفافيَّةٍ مطلقة) لـ "خصخصة" الكهرباء!
ومشَت الأعوامُ الثلاثة الأولى بمنتهى الرتابة: عدد الشهداء ثابتٌ بمعدَّلٍ يُراعي عدم الاكتظاظ في الجنَّةِ، والقمَّةُ تواصلُ اتقانَ دور بكاء زوجة الأب على هيئة بيان له لهجات عربية متقاربة، محتفظة بدرجة الشدَّة (حسب تفهم إسرائيل لأول ردِّ فعل بعد "فورة دَمْ")..؛ لا شيءَ يخالفُ التوقعاتِ سوى أنَّ "الموبايل" صارَ بإمكانه حفظ اسم الحبيبة (غير المتاحة دائما) بأغنية تحبها، وصورتها (بوضعيَّة شوق زائد) في أوَّل لقاءٍ خارج علبة "الإيميل"!
لحسن الحظ فقد خاب ظنِّي خيبةً ناقصَةً؛ فكلما مرَّ يوم جديد أصابُ بدهشة لا تقلُّ جِدَّةً، فالذكريات العائلية القديمة يُمكنُها أنْ ترافقني إلى العمل وتزجي ساعات الدوام الطويل، لكن ما أدهشني حقا أنَّه بات يُمكنني استعادة شريط طويل من الأمجاد المحفوظة في الذاكرة القومية، شريطة بعض التوسعة في"Memory"!
صرتُ أمشي أينما أريدُ، أحمِلُ بيدٍ رَخيَّةٍ "اللابتوب" الخفيف، أكتبُ تعليقا ساخرا على حرارة البيان الختاميِّ للقمَّةِ العربية، أصحِّحُ لرئيس الوزراء على صفحته الشخصية على "تويتر"، فأذكره أنَّ سعرَ الخبزِ صارَ أعلى من وجبة خالية الدسم، ولا أكتفي.. انتقلُ إلى بلد شقيق أراقبُ أوضاعه "عن كثب"، ثمَّ آخذُ موقفا صريحا بالانضمام إلى 25 كانون الثاني (يناير) بالتقويم المصريِّ، وكانون الأول (ديسمبر) بالتقويم التونسي، ولا أتردَّدُ بالاندماج في ثورة عربيَّة أخرى قيد الانتصار بصفة "عضو مؤازر"!
يحملني "اللابتوب" إلى حبٍّ متاح كلَّما فركتُ أزرار "الكيبورد" الملساء، يأخذني بعيدا جدا عن 1999، إلى اثنين وثلاثة أصفار لا تكفُّ عن النموِّ إلى أرقام فردية أو زوجيَّة، يعِدُني بمزايا فائقة؛ لكنَّها لا تبدِّدُ قلقي، فكلُّ ما أخشاه أنْ تكونَ في جوفه الرقيق "ثورة مضادة" كامنة!   

nader.rantisi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ممتاز يا نادر (صفاء ملاك)

    السبت 21 أيار / مايو 2011.
    كلام جدا جميل و ممتاز و موضوع رائع سلمت و سلمت اناملك ايها الراقي
  • »كم هائل من ...... (مروان بني هاني)

    الجمعة 20 أيار / مايو 2011.
    كلام جميل كما اعتدنا عليك استاذنا ... صورت لنا الحقبه التي كنا لا نذكر منها سوا ايام الدراسه الابتدائيه واليوم كبرنا لنحمل اللابتوب ونعيش معه وبداخله بقايا من طفولتنا التي لا نذكر منها سوا فلسطين .......
  • »اختيار انيق ومدروس للكلمات (منى القيسي)

    الجمعة 20 أيار / مايو 2011.
    مقالة جميلة وجميلة ترتقي فيها الكلمات من سطر لآخر وتنقلنا برفق ما بين الماضي والحاضر والتطور المذهل في الوصول الى اي شيء كان بأقل التكاليف وفي جلسة واحدة امام اللاب توب ,,,,
  • »اللابتوب يمشي (عفاف الصديسق)

    الجمعة 20 أيار / مايو 2011.
    صدقت ان اللابتوب يمشي وانا المحمول ان التطور سريع جدا ونحن في الالفية الثالثة ولكن يعاملوننا كما لو زلنا زمن الجاهلية يطبقونة على انفسهم ولكن ممنوع علينا دائما نحن المحمول رائع وعباراتك معبرة جدا ونتمنى على حكامنا ان يفهمونها قبل ان يفوت الاوان
  • »اللابتوب (سعاد الياس)

    الجمعة 20 أيار / مايو 2011.
    مقالة جداا رائعة تترجل فيها الكلمات و التعابير بين زمن الماضي و الحاضر .... تجمع بين من "" زمان "" و التطور المذهل الذي تحقق على أيامنا هذه بكلفة زهيدة ترى العالم و تخاطب العالم في جميع أقاصي الأرض ........ هكذا الحياة بحلاوتها و قساوتها و مآسييها ........ ألا و هي العولمة شغل الناس الشاغل ....... إلى الأمام و المزيد من التقدم .... يا أستاذ نادر
  • »عنوان التعليق (آمنة الحلبي)

    الجمعة 20 أيار / مايو 2011.
    رائع نادر فلسفة الحالة فلسفة خاصة بمنهجيتك منذ السبعينات
    وإلى الان وما يحصل على الساحة العربية أم غير وطني
    خاصة والجنة أصبحت ربما مكتظة بالشهداء كان تعبيرا رائعا أخذني للبعيد من ذكريات شباب
    كان لهم في ذاك الزمان مبادئ اخلاقية وووطنية وقومية ولا يقبلوا عن وطنهم بديلا برغم كل شيء
    أما اليوم فلا ارى إلا بعضهم وانت منهم
    شكرا نادر لعروبتك وغيرتك على الوطن بمحبة وحب واخلاق وبشفافية مطلقة ومصداقية
    أتمنى أن ارى شبابا واعيا كما الأمس مثلم يا نادر يحلل ويوصف باخلاق
  • »اللابتوب يمشي ونحن مكانك سر (د.جهينه خطيب)

    الجمعة 20 أيار / مايو 2011.
    مقال جميل عزيزي ، يعبر عن غزو التكنولوجيا في حياتنا شئنا أم أبينا وها أنا كفلسطينيه أقرأ مقالتك بفضل هذه التكنولوجيا ، ولكن رغم حسناتها أصبحنا لا نتكلم إلا من وراء حجاب عبر المسجات والرنات والهنات وما زلنا في عالمنا العربي شعبا استهلاكيا نأكل ونتخم بطوننا ولا حراك نجتر أمجاد أجدادنا - تحياتي كاتبنا المبدع
  • »Mohammed (جملة غير موفقة)

    الجمعة 20 أيار / مايو 2011.
    ومشَت الأعوامُ الثلاثة الأولى بمنتهى الرتابة: عدد الشهداء ثابتٌ بمعدَّلٍ يُراعي عدم الاكتظاظ في الجنَّةِ،

    غير موفق باختيار هذه الجملة, الجنة ليس لها حدود سكانيه يا اخي
    اتمنى لك التوفيق في المرات القادمه
  • »عنوان التعليق (randa)

    الجمعة 20 أيار / مايو 2011.
    كم من شوق اختزلناه دونما شعور عند استقبالنا للرقم اثنين واصفاره الثلاثة ... شوق للورق .. وخربشات القلم بعد احتضانه لساعات فيكتب او يرسم او حتى يدندن بتقصير مطبق عما يختلجنا ... شوق لساعي البريد .. ونحن نعتصر بحثه عن اخر مكتوب .. ونستعجله دون ان نشعر .. احتضان رسالة لاتفي حقنا بالشوق .. شوق لنا ونحن نلتهم كل تفاصيلنا الصغرى ... لنولد منها اجسادا بتفاصيل عظيمة .. لاتستوعبها شريحة Memory
  • »قمة في الإبداع (maha achour)

    الجمعة 20 أيار / مايو 2011.
    تصوير تطورات الحياة وتأثير التكنولوجيا على حياتنا كا رائعا جدا، انشاء الله دايما موفق
  • »ما أخشاه أنْ تكونَ في جوفه الرقيق (rima chehab)

    الجمعة 20 أيار / مايو 2011.
    جميل نصك جدا نادر كعادتك نظرة عميقة لواقعنا العربي
  • »عنوان التعليق (najwa)

    الجمعة 20 أيار / مايو 2011.
    مبدع بكل معنى الكلمة...
  • »تعليق مختصر (سهام وريدات)

    الجمعة 20 أيار / مايو 2011.
    اكتب تعليقا مختصرا لك "دوما انت رائع"
    عنوان ما كتبت بحد ذاته قصه ""اللابتوب" يمشي وأنا المحمول!
    اقيم ما قرات بمعيار "فوق الممتاز"
  • »اسلوب فريد ونادر (مؤيد محمد)

    الجمعة 20 أيار / مايو 2011.
    رائع
    أستمتع جداً عندما أقرأك
    فيك شيء من وحي محمود درويش
    وإيماءات غسان كنفاني
    يعني بالعربي: كنعاني أصيل
  • »raaaaaaaaa2e3 (Ines)

    الجمعة 20 أيار / مايو 2011.
    good work and good luck :-)
  • »مقال واقعي (رام)

    الجمعة 20 أيار / مايو 2011.
    نحمله كل مانستطيع من كلمات باردة بعواطفنا المتجمدة لانه من الصعب ان يشرب ثورة الحرف بأصابعي ولهيب النار حين تعبرني عيون الاحبة .. نرحل به ونعود لكل الاماكن واجسادنا تبقى بزنزاناتها الجليدية ....رائع نادر بمقالاتك الواقعية ونظرتك الفريدة الرب معك
  • »اللابتوب صديق مقنن بالأوهام (منى مرسل)

    الجمعة 20 أيار / مايو 2011.
    المزاجُ العام سيظلُّ خاملاً، لا يترقَّب أكثر من سقوط شهيد في "بيت حانون"، وآخر يموتُ ببطء في "رام الله"، ويُفترضُ بالطبع أنْ يصدرَ بيان شجب من الجامعة العربية (نستمع إليه باهتمام بالغ من المذيع الشديد المَهَابَةِ)، وستجري انتخابات رئاسية "نزيهة" في بلد شقيق جدا، يتمخَّضُ عنها فوز المرشح الوحيد لولايةٍ سابعة أو ثامنة، وتؤكِّدُ الأنباءُ أنَّ القمَّةَ العربيَّةَ ستنعقدُ بموعِدها الدوريِّ بتخلف زعيم واحدٍ بـ "داعي الوفاة الطبيعية"!

    هذا فعلا نسيج يصوِّر ارتباكة الرجل العصري بين تفاصيل لا يفهمها ، ولا يشعر بها ...حتى لو اندفعت في تفاصيل حياته الخاصة ، وأصابته بالدوخة والغثيان .في مساحة ضيّقة يركض فيه حتى اللهاث ليصل إلى سكينة مرجوَّة كانت سمة للزمن الذي رحل مع آخر شجاع عربي . اللابتوب ...اختصار مقلق لحاجة الانسان الحالي لترويض لذيذ يتصالح فيه مع ذاته ، قد يصدر له من خلال ضغطة زر متعة افتراضية يخيّل إليه أن قد أتيح له ما يخدش هاجس الدهشة حتى يهتف منتصرا : ها قد افتعلت الحياة التي أريدها !


    جمعتك مثالية