عيسى الشعيبي

سؤال المصالحة الفلسطينية

تم نشره في الأحد 8 أيار / مايو 2011. 03:00 صباحاً

في غمرة الأحداث التي تجري بتتابع سريع يقطع الأنفاس، ويزيغ الأفئدة عن مواضعها ويغشي الأبصار، تبدو الأسئلة أكثر بكثير من الإجابات، والمقدمات الخاطئة تقود إلى نتائج مماثلة، والعناوين الكبيرة تفتقر إلى التفاصيل، وردود الأفعال لا تتوازى مع الأفعال ذاتها، ناهيك عن اختلاط الرغائب بالحقائق، والهواجس بالتمنيات، فضلاً عن الارتجال في الأقوال والأحكام، والإغراق في التفاؤل والتشاؤم، الأمر الذي يمكن القول معه، بأن التحولات الجارية الآن في المحيط الإقليمي تعيد إنتاج مشهد يصعب الإحاطة به أو تلخيصه على هذا النحو أو ذاك.
لذلك غدت الأسئلة بمثابة المفاتيح القليلة المتاحة، ليس لسبر غور المواقف واكتناه الإجابات، وإنما أيضاً للتعبير عن السياسات المشتهاة والآراء المسبقة، بما في ذلك سوق الحجج المضمرة والحض على الردود المنتقاة، ما يمكن معه وصف حالة الخطاب العربي الراهنة بأنها أقرب ما تكون إلى معركة كلامية، أسلحتها الأسئلة، وقودها علامات التعجب، وأدخنتها إشارات الاستفهام.
خذ على سبيل المثال اتفاق المصالحة الفلسطينية، الذي استقطب على الفور مواقف المعارضين الأبديين والمؤيدين الجاهزين، ووزع الآمال والمخاوف، التفاؤل والتشاؤم في كل الاتجاهات، حيث أخذت الأسئلة، أو قل أسلحة هذه المعركة، تتقاطر وحداناً وزرافات، بعضها مبكر في الاستخلاصات وبعضها الآخر مبكر جداً. فهناك أسئلة استنكارية، وهناك أسئلة تشي بالانحياز، بعضها يستبطن الإجابات المرغوبة، وبعضها يضع الردود على ألسنة الناس، وصنف منها تبسيطي وآخر من عهد الأيديولوجيات.
وهكذا في غمرة هذه الأسئلة الملتبسة، والتساؤلات التي تستبطن سلفاً الإجابات المسبقة، ينبري سؤال أساسي، لا يقبل الإجابة المبهمة، سؤال سيد لكل الأسئلة، لا تجرفه العواطف ولا يسمح لنفسه بالانسياق وراء سيل التهم الجاهزة والتخوفات المصطنعة. إنه سؤال الأسئلة ومفتاح الإجابة العريضة التي تعلو في فضاء هذه المرحلة، وهو: هل الأوضاع الفلسطينية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مرشحة بعد توقيع اتفاق المصالحة أن تكون أفضل مما كانت عليه؟
بكلام آخر، هل سيؤدي هذا الاتفاق إلى فتح أبواب جديدة أمام الفلسطينيين أم أنه سيزيد من عدد الأبواب الكثيرة المغلقة في وجوههم؟ هل سيجدد هذا الاتفاق آمال شعب يرزح تحت نير احتلال يبدو بلا نهاية مرئية، أم أنه يحمل في ثناياه صواعق قد يؤدي انفجارها إلى زيادة حدة الإحباط القائمة؟ وهل يبدو الضوء في آخر النفق الفلسطيني الطويل بعد هذا كله أكثر قوة وأشد التماعاً؟.
ذلك أن الكثرة الكاثرة من المثقفين تقارب هذا الاتفاق من منظور موقف مسبق، تلتبس فيه الأماني المقصوفة مع التمنيات بعيدة المنال، وتتزاحم فيه الخيبات المتراكمة مع التوقعات المعزولة عن وقائع الحياة، لذلك فإنهم يستدرجون النقاش إلى ذلك النوع من الإجابات المحسومة سلفاً قبل طرح السؤال، من مثال: ألم نرَ مثل هذا الاتفاق من قبل؟ أليس النص مفتوحاً على كل الاحتمالات؟ وكيف ولماذا ومتى وأين سيتحول شعار الوحدة الوطنية إلى حقيقة عملية، في ظل هذا التربص بين الإخوة الألداء، وبينهم وبين الأعداء؟.
مثل هذه الأسئلة التي لا تجافي الحقائق ولا ينقصها الشعور بالإشفاق والقلق والمخاوف، تترفع في واقع الأمر عن المشي على الأرض، وتخشى أن تتعثر أقدامها بالوقائع المصفوفة على رصيف الحياة المثخنة بقروح الانتكاسات والارتكاسات والعزلة ومحدودية الخيارات المتاحة، الأمر الذي يجعل من فهم ما جرى في القاهرة، وفق منظور مسبق، مقاربة تقود إلى استنتاجات خاطئة، بينما المقاربة العقلية، المؤسسة على قراءة موضوعية للمتغيرات، ولضآلة البدائل المتاحة، سوف تقود بالمقابل إلى رؤية هذا الاتفاق على أنه إنجاز من نوع ما، بارقة أمل بدرجة معقولة، أو على أنه أكثر من خطوة كبيرة تم قطعها على طريق ما يزال طويلاً وصعباً ومحفوفاً بكل الأخطار، لكنها تفتح ثغرة في جدار كان مسدوداً بإحكام شديد إلى ما قبل عدة أيام.

التعليق