مفردات إسرائيل في المصالحة الفلسطينية

تم نشره في الجمعة 6 أيار / مايو 2011. 02:00 صباحاً

لم تكن أي مفاجأة في إجماع سدة الحكم في إسرائيل، بشقي الائتلاف والمعارضة، على مهاجمة المصالحة الفلسطينية، فلطالما اعترفت إسرائيل أنها المستفيدة من حالة الانقسام في نواح عدة. إلا أن الصياغات التي تضمنتها تصريحات كبار المسؤولين الاسرائيليين بشأن المصالحة، تعكس مدى التعنت والعربدة الإسرائيلية في الساحة الدولية، وتعكس أكثر حقيقة وجهة الزمرة الحاكمة في إسرائيل فيما يتعلق بمستقبل حل الصراع.
فبداية، هاجم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو اتفاق المصالحة، وطالب العالم بأن "يقلق" منها. ولكن قمة وقاحته كانت حينما توجه في بيانه للرئيس محمود عباس بالقول: "إما السلام معنا (إسرائيل) أو السلام معهم (حماس)". وراحت زعيمة المعارضة اليمينية تسيبي ليفني توبخ نتنياهو وتتهمه بأنه سبب هذه المصالحة، بسبب الجمود السياسي في المفاوضات. وطالبت ليفني نتنياهو بأن يحذو حذوها، أي أن يخوض مفاوضات من أجل المفاوضات، ليظهر أمام العالم وكأنه يريد حلا.
ولكن ذروة الوقاحة سجلها عجوز السياسة الإسرائيلية وأخطر قادتها شمعون بيريز، الذي قال في تصريحات له، إن اتفاق المصالحة سيعرقل قيام الدولة الفلسطينية وحل الصراع، وقائمة الوقاحة تطول.
وهذه العربدة في ردود الفعل الإسرائيلية تستند إلى الدعم الأعمى الذي تحصل عليه إسرائيل من دول القرار في العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة. ولكن إلى جانب العربدة، فهي تعلن مسبقا أنها ستواصل شل المفاوضات، والحفاظ على الوضع القائم سياسيا، بموازاة الاستمرار في فرض حقائق استيطانية وتدميرية على الأرض، وسط صمت عالمي مطبق.
فإسرائيل التي استفادت في السنوات الأربع الماضية من حالة الانقسام، تعرف تمام المعرفة أنها تجري مفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية، وليس مع السلطة الفلسطينية، وهذا الخلط في التعابير، ليس تهمة توجه إلى إسرائيل فقط، بل أيضا للقيادة الفلسطينية التي لا توضح بما فيه الكفاية الفرق بين الفريقين، السلطة والمنظمة. وحتى خطاب العالم العربي، سياسيا وإعلاميا، يساهم في هذا الخلط، رغم الخطر السياسي الكامن فيه، فمنظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، بينما السلطة الفلسطينية أقيمت لتسيير الحياة اليومية للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة في المرحلة الانتقالية، وليس لها أي صفة تمثيلية لكل الشعب الفلسطيني، وفي مقدمته اللاجئون.
لكن هدف إسرائيل ليس فقط اختلاق ذريعة لتبتعد عن طاولة المفاوضات، ولتشوش الحراك الفلسطيني في الساحة الدولية لاستصدار قرار أممي يعترف بالدولة الفلسطينية على أساس حدود 1967، بل هي تسعى لإعادة القضية الفلسطينية إلى "خانة الإرهاب" في الحوار السياسي الدولي، كما نجحت بذلك بعد العام 2001 وحتى قبل سنوات قليلة، وهذا انعكس على مزاج الرأي العام العالمي، لتصبح القضية ليست قضية تحرير شعب من احتلال إجرامي، وإنما "نبذ الإرهاب"، كما يتضح من شروط اللجنة الرباعية الدولية التي وجهتها لحركة حماس بعد الانتخابات الفلسطينية مطلع العام 2006.
وتدرك إسرائيل أن الأداء الفلسطيني الرسمي نجح في السنوات الأخيرة في إصلاح هذا الغبن على مستوى الساحة الدولية، والنتيجة لا نراها على مستوى موازين القوى الدولية، بل على مستوى الرأي العام الشعبي في دول العالم، وهو الكفيل لاحقا بتحريك مواقف حكومات نحو الأفضل من الناحية الفلسطينية، وهو ما تقرؤه إسرائيل مسبقا، إلا أنه عندنا من لا يرى أو يفضل أن لا يرى ويتجاهل.
إن اتفاق المصالحة جاء متأخرا، ولكنه جيد، والأهم الآن أمران: أولا، أن يتم تطبيقه فعليا من دون تفجيرات في الطريق، على أن يكون التطبيق على المستويين القيادي والشعبي؛ وثانيا، اتباع الحذر في أداء الفصائل الفلسطينية في الأشهر اللاحقة، فللمرة الأولى نجح الأداء الفلسطيني الرسمي في أن يضع العالم بأسره أمام اختبار لمصداقية اقتناعه بالحق الفلسطيني.
فحتى وإن قررت إدارة البيت الأبيض أن تسقط مسبقا ومجددا في هذا الاختبار، إلا أن تأييد أكثر من 70 % من دول العالم لقيام الدولة على أساس حدود 1967، واتخاذ قرار بهذا الشأن في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، فيه أكثر من دعم معنوي للقضية الفلسطينية، فهذا قد ينعكس مباشرة على الرأي العام الشعبي العالمي، وقد ينعكس أيضا على الشارع الإسرائيلي الذي سيلمس عُزلة حكومته. ولهذا فإن الأداء الفلسطيني الجماعي له وزن أساسي في شكل تقبل العالم للاختبار الفلسطيني.

barhoum.jaraisi@alghad.jo

التعليق