عيد عمال نقي

تم نشره في الأربعاء 4 أيار / مايو 2011. 03:00 صباحاً

الاحتفال الرسمي بعيد العمال كان مختلفا هذا العام، وكان فيه بحث عن النقاء بعيدا عن مناكفات "كبار العمال" أو البرجوازيين في أجواء العمال أو أهل السياسة الذين يرون في قطاع العمال الواسع تقارير إدارية لمدى النفوذ والحضور في ساحة السياسة، وأيضا بعيدا عن اتهامات متبادلة بالفساد بين كبار العمال.
الفئة التي احتفل الملك معها بعيد العمال هي من العمال الحقيقيين الذين لم يدخلوا عوالم النفوذ أو السياسة أو المواقع، هم عمال الوطن، أو لنقل إنهم صانعو النظافة في مدننا وقرانا وشوارعنا، هم الذين سمعنا من أحدهم فخرا أنه يحصل على مصدر دخله ويعيل أيتاما تحت ولايته وهو رجل طاعن في السن. وكان يتحدث بعفوية ومن دون يافطات أو ميكروفونات أو تحليلات، بأنه يقول كل صباح "لعرباية النظافة والمكنسة" صباح الخير لأنه يشعر أن بينهما علاقة من العلاقات الصافية التي يعرفها الفقراء والعمال الكادحون بجد، وهي علاقة الستر. فالستر لغة فطرية للأنقياء من الناس، تجعل الواحد منهم يشعر بالفرح والرضا إن وجد دخلا يؤمن له حاجاته الأساسية، أو شاهد ابتسامة على وجه طفله حتى لو كانت كل العائلة تعيش في غرفتين أو غرفة وصالون، بينما الستر قد لا يحصل عليه بعض أصحاب الثروات والنفوذ أو الباحثون عنهما.
وأعتقد جازما أن العدد الكبير من عمال النظافة من أبناء الوطن الذين أكرمهم الملك وقدم لهم نوعا من التقدير الخاص، وتناولوا الغداء مع جلالته، هذا العدد من الأنقياء الذين مايزالون عمالا سيذكرون هذا اليوم، وسيبقى جزءا من حديثهم، وسيصفون لسنوات طويلة لكل من حولهم شكل الملك وتفاصيل القاعة ونوعية الطعام، وسيكون لكل منهم صورة مع الملك ستكون في برواز فوق التلفزيون، وربما إذا امتلك ثمن تكبيرها سيعلقها على الحائط.
أما نحن فإننا عندما نجد في طريقنا عامل وطن يسعى بشرف لخدمة بلده ولينال الستر ويحصل على مصدر رزق، فإننا سندرك أن كل واحد من هؤلاء يجذر قيمة وخلقا وانتماء من نوع متميز، لأنهم رفضوا أن يستسلموا لقيم رديئة فيها ترفّع عن العمل الشريف، وأن كلا منهم حين لبس ملابس الأمانة أو البلدية كسر حواجز كبيرة، لكنه صنع ثقافة رفيعة تستحق الاحترام. فالبعض قد يرضى أن يكون متسولا بدل هذا العمل، والبعض قد يرضى أن يكون من رواد صندوق المعونة رغم قدرته على العمل، والبعض قد يرضى أن يمد يده لأهل الإحسان وهو قادر على العمل، لكن هؤلاء الكرام وأمثالهم صنعوا قيما كريمة. وعندما تجد الاعتزاز بهذه المهنة من رجل كبير في السن، فإن القيمة مضاعفة لما يقوم به، لأنه يعمل في هذه الوظيفة منذ زمن طويل، ولأنه أيضا تحمل كلفة اجتماعية ممن نظروا إلى هذه الوظيفة نظرة دونية. وأيضا هناك ثمن دفعته أسر وعائلات هؤلاء الكرام من الأردنيين ممن حولهم.
عاملة حقيقية تلك السيدة التي ظهرت على التلفزيون في حفل التكريم من عمال الوطن التي تفتخر بعملها وجهادها، وأنها ستقدم للمجتمع قريبا ابنا مهندسا علمته من تعبها ووظيفتها. وأعتقد أن هذه النماذج وغيرها هي التي يجب أن تظهر في الإعلام لتعلمنا معنى قهر ثقافة العيب، ومعنى الكفاح، ومعنى الإصلاح الذي تصنعه هذه الفئة الكريمة.

sameeh.almaitah@alghad.jo

التعليق