السفارة العراقية: مقالات غير منصفة في الصحافة الأردنية

تم نشره في الخميس 7 نيسان / أبريل 2011. 03:00 صباحاً

ليس من توجهاتنا أن نخوض سجالاً على صفحات الصحف، ولكننا ارتأينا التوضيح لما جاء في عدد من المقالات التي نُشرت في عدد من الصحف الأردنية الغراء والتي تناولت الشأن العراقي.
وفي هذا الشأن نرى أنه من غير المنصف، بل من الإجحاف اختزال القضية العراقية بالتطورات التي حدثت بعد العام 2003. فتحليل الوضع العراقي بعد الاحتلال يتطلب فهماً عميقاً لمجمل التطورات والأحداث التي شهدها العراق على مدى أكثر من ثلاثين عاماً. وهذا الفهم لا نراه واضحاً في جل المقالات التي تناولت الشأن العراقي، بل ربما أن هناك تعمداً في اختزال قضية العراق بما جرى بعد العام 2003. كذلك، فإن الفوضى والتدهور الأمني الذي عم البلاد بعد سقوط النظام السابق استحوذ على جانب كبير من اهتمام المواطنين والمراقبين، واقترن أي تقييم للوضع في العراق بمقدار التحسن في وضعه الأمني، واستمرت هذه الرؤية حتى المراحل المتأخرة بل الحالية من بناء الدولة العراقية الجديدة، فطغى الاهتمام بالجانب الأمني على غيره من الجوانب.
لذلك، فإن التجربتين الانتخابيتين للبرلمان في العراق العام 2005 والعام 2010، الوحيدتين منذ خمسينيات القرن الماضي، استحضرتا كل تراكمات الماضي وتناقضاته السياسية والطائفية والمناطقية والقبلية والحزبية. وعلى الرغم من أن التجربتين لم تكونا مثاليتين، لكنهما حظيتا باعتراف عربي ودولي يعطيهما الشرعية، ولم تشذا كثيراً عن الديمقراطيات الناشئة في المنطقة والعالم والتي هي أقدم بكثير من التجربة العراقية. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار قصر عمر التجربة العراقية، وطبيعة تراكماتها وتناقضاتها التاريخية، التي فرضت نفسها بشدة على الواقع العراقي بعد العام 2003، وإذ أردنا أن نكون موضوعيين ومنصفين، فسيكون حكمنا على التجربة ليس سلبياً الى الحد الذي تصوره تلك المقالات.
ولعلكم تعلمون أن النظام السياسي العراقي الجديد ما يزال فتياً وخاضعاً للمداولات بين الشركاء. وحتى الدستور فهناك دعوات لتعديل عدد من مواده، بل إن العملية السياسية برمتها ما تزال خاضعة لحوار العراقيين وتوافقاتهم، وإن شكل النظام السياسي والعلاقة بين السلطات وصلاحيات السلطة التنفيذية ما تزال قيد المداولة، وموضوعات كثيرة ومهمة ما تزال قيد المناقشة والدراسة، مثل المركزية والفيدرالية وعلاقة المحافظات وإقليم كردستان بالحكومة الاتحادية، وغيرها، فهل هذه مثلبة على العراق الجديد؟
ويذكرنا دائماً الأخوة كتّاب المقالات بالذين جاؤوا على ظهور الدبابات الأميركية، ويشددون على ذلك، ويبدوا أنهم نسوا أو تناسوا أن يذكروا لنا كيف ولماذا خرج هؤلاء من العراق قبل عشرات السنين، ألم يخرجوا من العراق على أسنّة حراب النظام السابق لأنهم أصحاب رأي مختلف لتوجهات النظام آنذاك؟ وفي هذا السياق، نود الإشارة هنا الى أن القوى السياسية العراقية المعارضة للنظام السابق تعرضت الى أصعب الخيارات خلال التصعيد الأميركي لشن الحرب على العراق، فهي إما أن تستفيد من فرصة إسقاط النظام، وتُتهم بتمكين دولة أجنبية من احتلال العراق وما يتبع ذلك، أو تصطف خلف النظام آنذاك باعتباره نظاما وطنيا يقاوم الغزو، وكان لهذا البديل تكلفته المتمثلة في تفويت فرصة التخلص من نظام جلب الكثير من الكوارث للعراق، والذي لا نعرف من أين استمد شرعيته في الحكم. والذي حصل أن قوى المعارضة العراقية استفادت من فرصة إسقاط النظام، وكل قادة العراق الآن منتخبون، فالسيد جلال الطالباني والسيد المالكي والسيد إياد علاوي والسيد النجيفي والسيد الهاشمي والسيد المطلك، كلهم حصلوا على عشرات بل مئات الآلاف من الأصوات التي أهلتهم لتولي مواقعهم الحزبية والحكومية.
وتقدم لنا المقالات رؤيتها عن المشهد العراقي، من ناحية الكهرباء والخدمات ونهب المال العام. وفي هذا السياق نقول إن العراقيين يعلمون أن أحدث مشروع خدمي في العراق يرجع الى نهاية السبعينيات من القرن الماضي، وفي حسابات المختصين تُعد هذه المشاريع مندثرة أو على وشك الاندثار، لأن حماقات النظام السابق جعلته يهتم بالجانب العسكري والأمني فقط، ما أدى الى جلب الويل والدمار لكل مرافق الحياة، بل للمجتمع العراقي برمته. وللتذكير فقط (ولعل الذكرى تنفع المؤمنين)، فإن البنك الدولي في نهاية السبعينيات صنّف العراق بنفس المستوى الاقتصادي والتطور الاجتماعي لدولة اليونان، واعتبر النظام الصحي ومجانية التعليم وأسعار الأدوية وتوفرها تتفوق بالتأكيد على جميع دول العالم الثالث، بل وصلت إلى مقارنات مع الكثير من دول العالم الأول (ونشدد هنا على أن هذا الوضع في منتصف ونهاية السبعينيات وليس قبيل سقوط النظام السابق). ولكم أن تقارنوا الحال الذي وصل إليه العراق قُبيل سقوط النظام أو قُبيل الاحتلال، فهذا المطر من ذاك الغيم كما يقول المثل العراقي الشعبي. ولو التفتنا قليلاً الى إقليم كردستان الذي تحرر من قبضة النظام السابق قبل 13 سنة من سقوطه، لاستطعنا أن نلاحظ وبسهولة الفرق بين محافظات الإقليم ومحافظات العراق الأخرى التي بقيت تتحمل حماقات النظام وسياساته التي حولت البلد الى دولة فقيرة مهترئة لا يمكن مقارنتها بأي دولة فقيرة من دول المنطقة. وحري بنا في هذا المجال تقويم التجربة التي امتدت 35 سنة (تقويمها بعيداً عن نظرية المؤامرة) قبل أن نحاسب ونتهجم على تجربة لا يزيد عمرها على الخمس سنوات. فجلّكم يعلم أن الدولة العراقية في ستينيات القرن الماضي كانت من أفضل دول الشرق الأوسط، وربما تمنت عواصم كثيرة أن تكون مثل بغداد آنذاك. وهنا نتساءل: أين وصل بنا الحال قُبيل الاحتلال كما يحلو لكتّاب المقالات أن يقولوا، وقُبيل سقوط النظام كما يحلو لنا أن نقول؟ لقد تأخرت بغداد عن جميع عواصم المنطقة، في العمران والخدمات والسياسة والاقتصاد، والتعليم والصحة وكل مرافق الحياة. وإذ أضفنا لكل ذلك الأخطاء التي رافقت بناء الدولة العراقية الجديدة بعد العام 2003، لعلمنا حجم المسؤولية التي تقع على عاتق قادة العراق الجديد لانتشال العراق والشعب العراقي من هذا الواقع المرير المتراكم.
أصبح العراقيون اليوم يعرفون كم يصدّر العراق من النفط، ويتكلمون عن ميزانية الدولة وأبوابها وميزانيات المحافظات، وكم صُرف منها وعن الفساد والمال العام، ويحاسبون حكومتهم المنتخبة علناً في مجلس النواب وفي الشارع، وربما أحرجوا عددا من المحافظين وأجبروهم على تقديم استقالاتهم.
أما التظاهرات، فإن العراقيين ومنذ أكثر من خمسين عاماً لم يتظاهروا ضد حكوماتهم ما عدا المسيرات التعبوية التي كان النظام السابق ينظمها لدعم توجهاته السياسية والعسكرية، بل إن المؤسسات الأمنية العراقية ومنذ عشرات السنين لا تعرف كيف تعالج المظاهرات التي تخرج ضد الحكومة، لأنها لا تعرف طريقة للتعامل مع أصحاب الرأي المختلف سوى القتل أو الاختفاء. وربما كانت التظاهرات التي شهدتها بغداد وبعض المحافظات العراقية في الآونة الأخيرة هي التجربة الأولى للشعب وللقادة الأمنيين، وربما استغرب العراقيون أن لديهم قوات لمكافحة الشغب، تستخدم خراطيم المياه والوسائل الأخرى التي تستخدم في أغلب دول العالم، لأن الثقافة العراقية التي سادت لدى الشعب العراقي والنظام الحاكم عبر عشرات السنين هي ثقافة الفكرة الواحدة والرأي الواحد، وكل من ليس معي فهو ضدي. ولذلك، ربما حدثت أخطاء من قبل الجهات الأمنية في معالجة بعض الحالات، في التظاهرات الأخيرة، التي أدت الى استشهاد عدد من المتظاهرين، فبكل الأحوال هي غير مبررة، ومهما كانت الأعذار، وقد شكلت الدولة العراقية المتمثلة في حكومتها ومجلس نوابها لجانا تحقيقية لمحاسبة المتسببين، ولإنصاف المتضررين، وقدم المسؤولون الحكوميون والأمنيون الاعتذار عما حدث، وربما ينتظر عدد منهم نتائج التحقيق للبت في مستقبلهم الوظيفي. ونعتقد جازمين أن الدولة العراقية ومؤسساتها الأمنية حريصة على الحفاظ على سلامة أبنائها المطالبين بحقوقهم المشروعة والتي كفلها دستور الدولة العراقية الجديدة، التي لم تعرف معنى الدستور منذ أكثر من أربعة عقود.
وعلى كل حال، يتفق الجميع على أن الدم العراقي ليس فقط خطاً أحمر فحسب بل هو مقدس، لأن العراقيين نزفوا بما فيه الكفاية بفعل الحروب والتصفيات السياسية والإرهاب. ويتفق العراقيون على محاربة الفساد والمفسدين، وسارقي المال العام مهما كانت مواقعهم وتوجهاتهم. ونقول وبكل ثقة، ليس منا من يقتل العراقيين، وليس منا من يسرق المال العام، وليس منا من لا يحب العراق والعراقيين.
إن الأحداث الأخير في المنطقة العربية، تثبت مجددا أن العراق كان السباق والرائد لمطلب التغيير. وإذا كان البعض قد رأى في ذلك بدعة في حينه، فها هي الشعوب العربية كافة، تنتفض مطالبة بتغيير الأنظمة ومتطلعة إلى الحرية والتعددية مهما غلا الثمن. وهذا ما أدركه الشعب العراقي منذ أمد بعيد واستطاع تحويله إلى واقع منذ العام 2003، وبذلك فقد كان العراق رائدا في حركة التغيير والتحرر من النظام الاستبدادي الشمولي، نظام الحزب الواحد والرجل الواحد.
إن العراق وشعبه على موعد جديد مع الحرية والتقدم بتاريخ 31 كانون الأول (ديسمبر) 2011 حينما يرحل آخر جندي أجنبي عن أرض الرافدين، وحينها سيكون على أبناء العراق وحدهم تقويم تجربتهم الفتية، حيث سيضعون أمام أعينهم كوارث الماضي وأخطاء التجربة. وستكون تجربتنا هي الأقدم والأنجع بين تجارب المنطقة، رغم الثمن المرتفع الذي اضطر العراقيون لدفعه ثمنا لحريتهم ومستقبل أبنائهم.
نتمنى على السادة كتّاب المقالات أن يعطوا للمنهج التاريخي بعده الحقيقي، وخاصةً في تحليل القضية العراقية، كي تكون الصورة واضحة أمام الجميع، ولكي تكون كتاباتنا أكثر موضوعيةً، بغض النظر عن التوجهات والخلفيات والأشخاص الذين يحكمون هذا البلد أو ذاك.
إن التجربة العراقية الفتية، سوف يقوّمها أبناؤها المنتخبون، وسيضعون أمام أعينهم كوارث الماضي وأخطاء التجربة. وستكون تجربتنا هي الأقدم والأنجع بين تجارب المنطقة.
نكرر أنه ليس القصد من هذا التوضيح خوض السجال على صفحات الصحف، وإنما هو للتذكير فقط (ولعل الذكرى تنفع المؤمنين). 
والله من وراء القصد.

*القسم الصحافي في سفارة جهورية العراق-عمان.

التعليق