الإحصاءات العامة: قانون وتعليمات عرفية

تم نشره في الثلاثاء 5 نيسان / أبريل 2011. 02:00 صباحاً

وجدت نفسي مدفوعا للكتابة عن قانون الإحصاءات العامة رقم 8 لسنة 2003، بعد التحذير الذي أطلقه مدير عام دائرة الإحصاءات العامة قبل أسابيع للجهات والمراكز البحثية التي تقوم بإجراء دراسات مسحية واستطلاعات رأي، من أن الدائرة ستضطر إلى مقاضاة المؤسسات التي لا تحصل على موافقة مسبقة قبل تنفيذ هذا النوع من الدراسات.
التحذير السابق يوضح أنه لا يوجد نوايا لدى الجهات الرسمية لإعادة النظر بالفقرة ب من المادة 8 من قانون الإحصاءات العامة التي تشترط الحصول على إذن خطي مسبق من المدير العام لدائرة الإحصاءات العامة قبل الشروع بعملية جمع البيانات الإحصائية ونشرها. وطالب التحذير بضرورة الالتزام أيضاً بمضامين بلاغ صادر عن رئاسة الوزراء في العام 1984، والكتاب الصادر عن رئيس الوزراء في شباط (فبراير) 2011، واللذين يحتويان متطلبات تفصيلية لإجراء الدراسات المسحية واستطلاعات الرأي.
وفي هذا المجال، سأتناول بعض نصوص القانون والبلاغات والتعليمات ذات العلاقة بعمل مراكز البحوث والدراسات واستطلاعات الرأي العام، والتي تحمل من وجهة نظري روحاً عرفية، والأكثر خطورة أنها تقوم على منطق الوصاية على الباحثين والمؤسسات العلمية البحثية المتخصصة في مجال البحوث المسحية واستطلاعات الرأي، وهي بعيدة كل البعد عن روح العصر ومتطلباته.
المادة 4 من القانون تعتبر أن دائرة الإحصاءات العامة هي "الجهة الحكومية الوحيدة المخولة بجمع المعلومات والبيانات الإحصائية من المبحوثين". والفقرة الثانية من المادة 8 منه تشير إلى أنه "يجوز لأي جهة غير رسمية جمع معلومات إحصائية لحساب جهة أخرى ونشرها شريطة الحصول على إذن خطي مسبق من المدير العام".
ومساحة عرفية القانون والتعليمات ذات العلاقة تزداد عندما نتعرف على شروط الموافقة على إجراء الدراسات المسحية واستطلاعات الرأي. فقد جاء في بلاغ رئاسة الوزراء الصادر العام 1984، أن يشمل طلب الموافقة على إجراء المسح الميداني واستطلاع الرأي على أهداف الدراسة، وأسلوب جمع البيانات، ومواعيد بدء الدراسة وانتهائها، والمنطقة الجغرافية التي ستجرى فيها الدراسة وعينتها، بالإضافة إلى صورة عن الاستبانة التي سيتم استخدامها.
ولا تقف التعليمات عند هذا الحد، بل تشمل تزويد الدائرة بأسماء الباحثين من أربعة مقاطع وصورة شخصية والرقم الوطني وتاريخ الميلاد ومكان الميلاد ومكان الإقامة والتحصيل العلمي واسم الأم. وإلى جانب كل هذا شهادات عدم محكومية سارية المفعول لجميع الباحثين.
والأمر الأكثر غرابة أن البلاغ الصادر عن رئاسة الوزراء قبل أكثر من ربع قرن وتطالب دائرة الإحصاءات العامة بضرورة الالتزام به، يتضمن أن تقوم الجهة صاحبة الدراسة وبعد إنجاز العمل، بتقديم مسودة التقرير النهائي للدراسة المسحية أو استطلاع الرأي وبشكل رسمي للمدير العام للإحصاءات العامة للموافقة عليه قبل نشره. فأي روح عرفية أكثر من هذه الروح، وأي وصاية على النشاط البحثي والعلمي أكثر من ذلك؟!
ليس لدي الكثير لقوله في هذا المقام، سوى أن هذه النصوص مقطوعة الصلة بواقع الحياة المعاصرة، وهي بحاجة للإلغاء وليس المطالبة بالالتزام بها.
فهذه التعليمات تتعارض مع ما أجمعت عليه معايير حقوق الإنسان الأساسية الواردة في أكثر من وثيقة، لعل أهمها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بالإضافة إلى وثائق منظمة التربية والثقافة والعلوم (اليونسكو)، وجميعها أجمعت على حرية الرأي والتعبير وحرية المعرفة والنشر، والحق في الحصول على المعلومات بما يعنيه ذلك من حرية الوصول إلى مصادر المعلومات والإطلاع عليها، والحق في نشر المعلومات وتداولها.
كذلك، كفل الدستور الأردني في المادة 15 منه حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة والإعلام، وألزم الدولة بسلطاتها المختلفة القيام بأفعال إيجابية والامتناع عن القيام بأفعال سلبية تنتقص من هذه الحريات.
والى جانب ذلك، ينص قانون المطبوعات والنشر في المادة 6 منه على "حق الحصول على المعلومات والأخبار والإحصاءات التي تهم المواطنين من مصادرها المختلفة وتحليلها وتداولها ونشرها والتعليق عليها".
ونحن، وفي هذه المرحلة نعيش حراكاً باتجاه تطوير النظام السياسي الأردني بحيث يصبح قائماً على ضمان مختلف الحقوق السياسية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، بأمس الحاجة للسماح للمراكز البحثية المتخصصة بإجراء البحوث المسحية واستطلاعات الرأي (وهي مراكز مرخصة وفق قانون المطبوعات والنشر) للعمل بحرية واستقلالية بعيدا عن تدخلات الجهات الرسمية مثل دائرة الإحصاءات العامة ووزارة الداخلية. ومن هذا المنطلق، أرى أن نص الفقرة (ب) من المادة 8 من قانون الإحصاءات العامة والتعليمات الصادرة بموجبه لتنظيم الدراسات المسحية واستطلاعات الرأي يحمل مخالفة صريحة للمنظومة العالمية لتشريعات حقوق الإنسان، ولنصوص الدستور الأردني، ولقانون المطبوعات والنشر الأردني. وهذه التعليمات تعتبر معيقاً كبيرا لمسار التحولات والإصلاحات السياسية في الأردن.
استنادا إلى كل ما سبق، فإن الحاجة أصبحت ملحة لتعديل قانون الإحصاءات العامة والبلاغات والتعليمات الملحقة به، باتجاه نزع روح الوصاية عنه، وتنظيفه من المواد العالقة به من المرحلة العرفية التي تجاوزناها.  وإذا ما كان هنالك ضرورة لتنظيم العمل البحثي المسحي واستطلاعات الرأي، فالمطلوب ليس الوصاية عليه من قبل دائرة الإحصاءات العامة وغيرها من المؤسسات الرسمية، بل المطلوب وضع معايير مهنية يتم تطويرها بين مراكز البحث المتخصصة في هذا النوع من البحوث والاستطلاعات بمشاركة دائرة الإحصاءات العامة، ويطلب من جميع الممارسين احترامها والالتزام بها.
*مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية.

التعليق