شعب ليبيا يدخل المستقبل والقذافي يخرج من التاريخ

تم نشره في الأحد 20 آذار / مارس 2011. 03:00 صباحاً

الفرق بين الطغاة العرب في الدرجة لا النوع، وقد أثبت العقيد القذافي أنه الأسوأ فيهم إلى اليوم. صحيح أن حجم سرقاته بحسب الأرقام الرسمية الأميركية في أميركا 31 بليونا، وهو نفس رقم حسني مبارك، إلا أن مبارك بدا عقلانيا عندما انسحب بعد 500 شهيد. يمكن عقد مقارنات كثيرة بين العقيد وغيره من الطغاة، وهو سيتربع على عرشهم ملك ملوك بحق ومن دون تزوير أو ادعاء. وعلى فشله الذريع في إدراة بلد غني بالموارد البشرية والمادية أثبت في أيامه الأخيرة عبقرية في تأخير هزيمته المؤكدة. وموارد البلاد التي هدرت على ملذاته وملذات أسرته لم تنل منها البلاد إلا الترسانة العسكرية والجهاز الأمني. وهو اليوم يستخدم بكفاءة تلك القدرات.

عندما كتبت في أوج انتصار الثورة "حكومة الشرق الليبي أفضل من الجماهيرية العظمى" لامني كثير من الأصدقاء على تشاؤمي. واليوم بعد نجاح العقيد في تحقيق تقدم عسكري في الشرق، لا يتزعزع إيماني بانتصار الشعب الليبي. وتشخيص الواقع لا التشاؤم. ليبيا اليوم ليست ليبيا الأمس. انتهى القذافي وعصاباته ليس لأن الشعب الليبي نهض وصمد وقاوم فقط، بل لأن العالم لم يعد يريده.

العالم أعني أميركا. وحتى لا نكذب على أنفسنا فإن جامعة الدول العربية ما كانت لتخرج بقرارها الداعي إلى تدخل دولي حماية للمدنيين لولا وجود موقف أميركي. وأميركا عدو لنا في فلسطين والعراق وأفغانستان. لكنها ليست شيطانا أكبر. وهي من دعم الشعب الأفغاني في ثورته ضد الاحتلال السوفيتي وهي من أوقف المجازر في البوسنة. وفي الحالين كان ثمة موقف عربي وإسلامي مساند لها. وقد سبق تدخلها وجود مجاهدين قاتلوا بأنفسهم من دون انتظار عون أميركي.

طبعا الشعوب العربية تحب أن يسقط القذافي كما سقط سلفاه، لكن متى كان الواقع وفق هواها. وهل من المفروض أن تكون كل الثورات على " الكاتلوج" التونسي؟ إنها نهضة عربية شاملة تأخذ صيغا ثورية مختلفة. وليس بالضرورة أن يكون طابعها سلميا وسريعا وحاسما. لنقرأ تاريخ العالم، هل صمدت لينين جراد في وجه النازي لولا وجود تحالف دولي ضد ألمانيا النازية على رأسه بريطانيا وأميركا؟

نعادي أميركا ونلومها ونختلف معها، لكن ذلك لا يغير حقيقة أنها الدولة الوحيدة في العالم القادرة تحريك جيوشها إلى أي نقطة في العالم خلال 18 ساعة. والمعارضون للتدخل الأميركي عليهم أن يدلونا على الطريقة التي كان يمكن فيها وقف المجازر في البوسنة؟ رسميا توجد 20 ألف أمرأة مسلمة حملت اغتصابا في البوسنة. كم كان سيكون الرقم لولا الطيران الأميركي؟ هل كان المجاهدون قادرين على صد وحوش الصرب؟

خالتي صباح حياصات مقيمة في فرجينيا، وهي لا تعرف مراكز صنع القرار، تعرف المركز الإسلامي وتمارس فيه عبادتها مثل الجالية المسلمة هناك. وتسأل ببراءة ومن دون غرض سياسي، أنها كانت تتعاطف مع العراقيات اللواتي كن يدعون الله أن ينجح الأميركان في إسقاط صدام، وكانت تعرف مأساة كل واحدة ذاق ذووها مرارة القهر والطغيان. لكن قلبها كان ممزقا بين هؤلاء والجموع التي تظاهرت ضد الحرب سواء في عواصم الغرب أم العالم العربي والإسلامي. تلك الحيرة اختفت مع القذافي. لماذا؟

فرق كبير بين صدام وبين القذافي. طبعا في الدرجة لا النوع. صدام كان طاغية لكن كان لديه مشروع قومي حقيقي، وبنى بلدا معتبرا سواء في منظومته العسكرية والأمنية أم نوعية الحياة من تعليم وصحة وبنية تحتية. وعندما انكسر العراق ترك فراغا استراتيجيا لم يملأ. القذافي دمر بلدا غنيا وأحاله إلى مستنقع من الفاقة والجهل والخراب. البنية التحتية في العراق تعمل إلى اليوم من أيام صدام. في ليبيا إلى اليوم لا يوجد بنية تحتية. ولم تحصل ضد صدام انتفاضة شعبية عامة، حصلت انتفاضتان لهما طابع طائفي في الجنوب وأقوامي في الشمال. وفي المجمل خرج صدام من الدنيا ولم تكن له أرصدة في أميركا. وبالنتيجة خرج صدام من الحكم من دون انتفاضة شعبية وبقوة الاحتلال. بخلاف القذافي.

الموقف الأميركي من النهضة العربية منافق وملتبس ومتردد ومزدوج، لكن بالله عليكم كيف كان موقف روسيا والصين والنظام الرسمي العربي؟ أما الموقف الإسرائيلي فكان حاسما بالوقوف إلى جانب الدكتاتورية. ولولا الموقف الأميركي لما تغير موقف النظام الرسمي العربي.

تدرك إسرائيل أنها تفقد كثيرا أهميتها الاستراتيجية في ظل النهوض العربي. فلن تكون هي واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط. وفي المقابل لن تخسر أميركا بأفول عصر الدكتاتورية العربية. صحيح أنها لن تجد عملاء لها كالسابق لكنها ستجد خصوما شرفاء وعقلاء يقدرون مصالح شعوبهم. وفي النموذج البرازيلي مثال واضح على أن المعادين للهيمنة الأميركية قادرون على إقامة علاقات متوازنة معها.

إن القذافي أسوأ بكثير من مجرمي الصرب. أولئك مهووسون قوميون حاربوا شعبا آخر، أما هو وكتائبه فيقاتلون شعبهم. وهو ما يؤكد خروجهم من دائرة الآدمية. وأما تجارة عداء أميركا فهي كاسدة.

إن شباب ليبيا قاتلوا أميركا في أفغانستان والعراق بدافع دينهم ونخوتهم، لا بتعليمات العقيد الذي يضع 31 بليونا من سرقاته في أميركا. عندما ضبط الأميركيون ملفات المقاتلين العرب في مقر للقاعدة في سنجار تبين أن الرقم الأعلى من ليبيا. وهؤلاء الشباب ليسوا سعداء بتدخل الطيران الأميركي. لكن ما الحل في ظل التفوق العسكري الكاسح لنظام العقيد الذي سخر كل موارد البلاد لصالح الجهاز الأمني والترسانة العسكرية؟

سينتصر شعب ليبيا بعون الله. لكن الله يهيئ أسباب النصر، ومن أهم عوامل النصر العامل الدولي. كل ثورات العالم استعانت بالعامل الدولي، أيام الثنائية القطبية وقف الاتحاد السوفيتي إلى جانب شعوب ووقفت أميركا إلى جانب أخرى. اليوم خلا الميدان لأميركا. ومشكلة الشعب الفلسطيني اليوم أن أميركا تقف ضده. ولو تغير الموقف الأميركي لما بقي الاحتلال الإسرائيلي يوما.

لا نقلل من قوة المجرم، والمجرمون بالضرورة أقوياء، وقوتهم ليست مرتزقة فقط بل سلاح مال، وخدمات خبراء إسرائيليين وغيرهم. ثمة رعاع أنتجهم نظام التجهيل، ولك أن تتخيل عندما تتحول موارد دولة في خدمة المافيا. الرعاع سيكتشفون أن " القائد" جبان عند الجد، ولن يقاتل لا هو ولا أولاده. سيختفون بسيارات الدفع الرباعي المحملة بحقائب المال، قليل من سلاح، وسيتنقلون بالخيام إلى أن يقبض عليهم ويحاكموا.

القذافي خارج التاريخ والمستقبل للشعب الليبي، والعالم اليوم فخور بأحفاد المختار. وعند الله لن تضيع كل قطرة دم سالت ظلما وكل دمعة انسكبت على عزيز. وستظل تلك الطليعة المؤمنة في قلوبنا ننام ونصحو ونحن نفكر بهم وندعو لهم. وسيطارد شباب ليبيا كما قال أحدهم الدكتاتور
"حفرة حفرة"، وهو مقبور مذموم مدحور. وكل يوم في السلطة هو عليه لا له. ويحفر قبره عميقا. وسيكون مصيره أسوأ ممن سبقوه من الطغاة الهالكين.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كم ليبيا يعمل في الخارج (ناصر سلمان)

    الأحد 20 آذار / مارس 2011.
    هل كان الشعب الليبي فقيرا؟؟ كم ليبيا يعمل خارج ليبيا ؟ وكم ليبيا يعمل في الاردن؟؟ وبالمقابل كم عراقيا كان يعمل في الخارج ؟ وكم عراقيا كان يعمل في الاردن منذ بداية التسعينيات؟؟ هذا هو الفرق...
  • »لا (أردنية)

    الأحد 20 آذار / مارس 2011.
    أنا تماما ضد تدخل أمريكا والدول الغربية في شؤون الدول الأخرى. وهل كانت أمريكا لتقبل أن نتدخل نحن في شؤونها مثلا؟؟
  • »يعني إنت مع الضربات الأمريكية ولا لأ؟ إحكي بصراحة أكثر عشان نفهم. (سعيد)

    الأحد 20 آذار / مارس 2011.
    أنا ضد قيام الدول الغربية بضرب ليبيا
    الحظر الجوي وافهمناه. لكن إنو أمريكا وفرنسا وبريطانيا تتدخل وتضرب بلد عربي فإحنا ضد هذا المبدأ زي ما كنا ضده في ضربة العراق. يا أخي أعطو أسلحة للثوار وأنا متأكد إنهم رح يبيدو القذافي زي الفار.
    >
    لكن التدخل المباشر بهالطريقة مش منطقي ولا مفروض إنو نقبله إحنا.
  • »سقط القناع (ابو خالد)

    الأحد 20 آذار / مارس 2011.
    نعم بينت لنا الاحداث كم كان بخيلا ولئيما مع شعبه,فما تبثه الفضائيات من ليبيا يدل على ان شغفه بالعيش في خيمة فرضه بالقوة على الشعب الليبي في القرن الواحد والعشرين,فلا بنية تحتية ولا عمارات ولا بنايات جميلة وربما لا مستشفيات ,يكفي بول الناقة وحليبها للتطبب,قبل سنوات زار الاردن والكل يعرف قصته عندما ترك الحرس المحيط به وذهب الى عبدون وتجول فيها وتحدث مع العمانيين,وكيف كان مندهشا قائلا ان عمان مثل لندن !! اذا كنا لا نملك ان نصدر مليوني برميل نفط ,(وبالمناسبة النفط الليبي من اجود انواع النفط لأنه لا يحتوي على الكبريت),واستطعنا ان نجعل من عمان مشرقة تأخذ لبك ,فأين ذهبت انت بمليارات الشعب الليبي؟كم مليار دفعت ثمن مغامرتك في لوكربي؟وكم ثورة من التي مولتهاواشعلتها نجحت؟بعد 42 سنة لك بالحكم نكتشف ان جيشك عبارة عن كتائب تسمى خميس والساعدي وهنيبعل ,ومنتسبيها هم قتلة مأجورين من دول افريقيا الفقيرة.سقط قناعك يا امين "القومية العربية" لأنه ثبت انك اكبر خائن للامة العربية,وعزائي الحار لكل الثورجية والقومجية الذين كانوا يحجوا ليشاركوا بمؤتمراتك وندواتك, لقد تيتموا من بعدك المساكين.قبل ان انسى,في خطابه الاول بعد الاحداث ,اكتشفنا كم هو محب للفنون ,فلقد رأينا تلك القطعة الفنية التي تمثل يداَ تقبض على طائرة,لا ندري اي حداد ابدع له هذه التحفة الفنية والتي يضعها في مقره الذي قصفه ريجان,ربما كان خطأ ريجان الوحيد هو انه لم يقتلك في حينه لكان اراح الليبيين من سنوات من العناء والمكابدة معك.
  • »إنقاذ الشعب الليبي ؟ (خالــد الشحـــام)

    الأحد 20 آذار / مارس 2011.
    ما يجري الان في ليبيا من ضربات جوية على نظام القذافي لا شك أنه غصة في القلب وباعث آخر من بواعث الحزن لما آلت إليه الأمور في ذات الوقت الذي نشعر فيه ببعض الطمأنينة لتوقف حملات القتل والابادة ضد الشعب الليبي المناضل.

    لم يكن ليكون مريحا لأي عربي حر ما جرى من سياق منذ تصاعد هذه الأزمة، فقد ساءناأن تختار الجامعة العربية إحالة ملف ليبيا إلى مجلس الأمن وساءنا أن تمتد الأيدي الغربية والأمريكية كي تكون الحكم والجلاد في أرض العرب، أو لم نكتفي ونشبع من تلقي الصفعات الحضارية والوجودية وتسليم أنفسنا لهم ؟ متى يتحقق الحلم ويصل العرب إلى المكانة التي تؤهلهم لإدارة أنفسهم وعلاج جراحهم في بيتهم؟ متى يأتي اليوم الذي تتدخل فيه قوات الردع الخليجية في المكان والزمان الصحيحين لكبح الطغاة واعادة الحق لأصحابه ؟

    هذه المحصلة المهزومة سلفا للوضع الحالي هي نتائج طبيعية للحكم العربي على كامل الرقعة البائسة ، الذي طال وصال وجال وأفسد كامل البنى في الكيان العربي لدرجة أصبح معها عاجزا كدولة عن علاج مشاكله الداخلية المستأصلة على مدى عقود فما بالنا بعون أخيه ومد يد الدعم والسهر عند الحمى ليكون قوة اقليمية حاضرة رشيدة الشأن والتدخل حينما يستصرخ الأخ أخاه.

    لقد اقترف العقيد الليبي جريمة مزدوجة بحق شعبه ونفسه ، الأولى عندما اختار طريق السلاح والقتل ضد شعبه ، والثانية عندما أخذته العزة بالاثم وتمترس خلف ذاته ورفض التنحي فجلب التدخل الغربي لبلاده ولوث الصورة النقية لثورة الشعب الليبي المناضل النظيف ، والله وحده أعلم بما سوف تتفتق به ابداعاته من سلوكيات منحرفة يختتم بها سيرة الشذوذ الفكري ونهاية العبثية والحلم الذي عاشه لأربعة عقود ، وتحت كل المعطيات فقد انتهى تماما ليس خلال الأيام القادمة ولكن منذ عشرين يوما مضت وانتصرت إرداة الشعب الليبي .

    من حق الشعب الليبي العظيم أن يقاتل بكل الطرق التي يراها مناسة لتحقيق مطالبه المشروعة ومن حقه أن يدافع عن نفسه تجاه عقيد معقود بذاته ، مأزوم نفسيا ومشحون بإرادة الموت والوحدانية المتفردة في فضاء لا يتعدى قطره ملمتر واحد ، من حق هذا الشعب الخروج من ملاءة الوجه الشمعي المنصهر الذي حبسه في قمقم لأربعين سنة خلت واختصر التاريخ والحضارة والعربي والصحراء والنفط في ملاءة خضراء حقيقتها سوداء ملوثة بالعمالة والارتجاف .

    ما يجري الان هو جراحة مريرة نازفة هي أبغض الحلال للشعب الليبي والشعوب العربية ونتمنى من صميم قلوبنا أن تمضي الأيام القادمة ضمن حزمة النوايا التي أعلن عنها الغرب وحسب ، وألا تكون نواياهم تبطن أعمق مما يعلنون ، ونضع أيدينا على صدورنا ترقبا وخوفا على ما سوف تؤول إليه هذه المتتالية المتصاعدة من الأحداث والتي لا يجب أن نستهين بها أبدا بحق الشعب الليبي أولا والأرض والثروات العربية ثانيا ومستقبل الثورات العربية ومحاولات احتوائها ثالثا.
  • »يا الله كم انت مبدع (Salem)

    الأحد 20 آذار / مارس 2011.
    شكرًا للكاتب فوالله كأنني احضر مسلسلا شيقا من حلقات فقد تنقل بنا هنا و هناك و امتعني جدا بهذا المقال عدا الفقرة التي استذكر بها مقاله السابق الذي لا زلت لا اتفق معه بالدعوة لقبول الانقسام الجغرافي بليبيا و الليبيون شجعان و سينتصر الحق عاجلا ام آجلا