استعلاء صهيوني بامتياز

تم نشره في الجمعة 18 آذار / مارس 2011. 03:00 صباحاً

من يتابع "التحليلات" ومقالات الرأي الإسرائيلية في الشهرين الماضيين، يلمس بالتأكيد الطابع الاستعلائي العنصري الذي يتملك العقلية المسيطرة على المؤسسة الإسرائيلية، وبالأساس تلك العقلية التي وضعت أسس الفكرة الصهيونية، وسارت هذه الحركة على أساسها، وصولا إلى غزو فلسطين والنكبة، ومن ثم الممارسة الإسرائيلية على الأرض حتى اللحظة، وهذا لن يتغير مستقبلا.

ومن أكثر المقولات الشائعة في تلك الكتابات: "لا نعتقد أن العالم العربي (أو الإسلامي) منفتح على الديمقراطية"، و"لا يمكن لهذه الثورات أن تقود إلى ديمقراطية حقيقية"، و"الطابع الدموي لهذه الثورات هو حقيقة المجتمع العربي". واللازمة في كل هذه الكتابات: "إسرائيل واحة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وعلى أوروبا والعالم ان يفهما هذا".

وهذه تعبيرات صدرت أيضا على ألسنة ساسة إسرائيل وعساكرها. وقد برز بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي أكثرَ من هذه التصريحات، ليضيف إليها تصريحا تجاوز كل حدود الوقاحة العنصرية بقوله: "حينما يتحدثون عن ثورات في العالم الإسلامي، فلا نرى تغيرا في مكانة النساء. فهم يرجمون النساء ويستخدمونهن كبضاعة تجارية، أما إسرائيل فتبرز في هذه المنطقة بكونها ديمقراطية، وبالمساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات، ويجب أن نبارك هذا الأمر".

يتوهم الكثيرون في العالم، وللأسف الشديد بين العرب أيضا، أن إسرائيل بالفعل "دولة ديمقراطية"، رغم أنها أبعد ما تكون عن ذلك، باستثناء "ديمقراطية الثرثرة"، كما أرغب في وصفها، لأن حرية التعبير وحدها لا تكفي، خاصة في نظام يمارس كل أشكال التمييز العنصري، وضد قطاعات مختلفة. وكي لا يخطئ البعض، فحتى حرية التعبير هذه، ندفع ثمنها الباهظ بأشكال مختلفة.

فإن كان فلسطينيو 48 هم الضحايا الأوائل لسياسة التمييز العنصري، فإن هناك قطاعات أخرى تعاني من التمييز البشع، وإن كان بدرجة أقل بكثير جدا من شكل التمييز الذي يعانيه الفلسطينيون، الذين يواجهون أساسا سياسة الاقتلاع من الوطن.

فإسرائيل مارست منذ يومها الأول التمييز العنصري ضد اليهود المهاجرين من الدول العربية والإسلامية، لكونهم شرقيين. وهذا التمييز ما يزال قائما بأشكال مختلفة حتى الآن، بينما اليوم هناك تمييز أشد ضد اليهود المهاجرين "السود" من أثيوبيا، بل وهناك صراع مجتمعي داخلي بين اليهود "القدامى" وبين اليهود المهاجرين من دول الاتحاد السوفيتي السابق.

أما بالنسبة للمرأة التي يتحدث عنها نتنياهو، ورغم أن النقاشات الدينية ليست موضوعنا، فمن الأجدى له أن يقرأ الشريعة اليهودية المطبقة في إسرائيل في ما يخص بالمرأة، ووضعية المرأة اليهودية في المجتمع الديني الذي يقترب كثيرا من أن يكون 50% من مجمل اليهود في إسرائيل، وبشكل خاص في مسألتي الطلاق والزواج المطبقتين في إسرائيل، وصولا إلى وضعية المرأة في مجالات العمل ومعدل الرواتب. وفوق هذا كله، فإن إسرائيل "تنافس" منذ سنوات طوال على رأس اللائحة العالمية السوداء في مسألة الاتجار بالنساء، وقد احتلت رأس القائمة لسنوات عديدة، وهي ما تزال ضمن المراتب الأولى.

ولكن هذه الاستعلائية لا تأتي من فراغ، ولربما أفضل من عبّر عن هذا في الأيام الأخيرة، الصحافي الإسرائيلي التقدمي غدعون ليفي، الذي قال في محاضرة له في جامعة في ايرلندا ضمن أسبوع "الأبارتايد الإسرائيلي": "إن الإسرائيليين يؤمنون بأنهم شعب الله المختار، وهم واثقون من أنهم يعرفون ما هو خير لهم، ولهذا هم ليسوا على استعداد للقبول بالآراء الأخرى، ومن يتجرأ على انتقاد إسرائيل، فيتم اعتباره مناهضا للسامية".

وهذه الاستعلائية ليست فقط على المستوى الاجتماعي، بل هي تقود سياسة العسكرة والاحتلال، وعلى أساسها تحاول إسرائيل، وتنجح في حلبات القرار الدولي، في تحويل الضحية إلى "إرهابي"، وتسويق احتلالها على أساس أنه "احتلال إنساني"، وغير ذلك.

خطورة هذا الخطاب الاستعلائي العنصري، تتصاعد بوتيرة سريعة بين الجمهور الديني اليهودي على مختلف مستويات التدين لديه، من الأصوليين المتشددين دينيا، وحتى الليبراليين دينيا ولكنهم متشددون سياسيا كليا، مثل عصابات المستوطنين. وهذا الجمهور من المتوقع حتى العام 2030 أن يتجاوز نسبة 50% من مجمل السكان في إسرائيل، بمعنى حوالي 70% من اليهود في إسرائيل، بموجب بحث ديمغرافي صدر عن جامعة حيفا، في الفترة الأخيرة، وهذا ما يجعلنا نتوقع استفحالا أشد لهذه العقلية العنصرية مستقبلا.

barhoum.jaraisi@alghad.jo

التعليق