عيسى الشعيبي

ما هكذا تكون المقاومة

تم نشره في الخميس 17 آذار / مارس 2011. 03:00 صباحاً

العملية العسكرية الفظيعة، التي وقعت قبل أيام معدودة في مستوطنة قرب نابلس، ظلت بلا أب ولا أم إلى اليوم، وقد تبقى هكذا لقيطة بلا نسب إلى أجل طويل، وذلك بعد أن تنصلت من مقارفتها سائر جماعات المقاومة الصغيرة، ونبذتها كل الفصائل الكبيرة، بما في ذلك المنظمات التي أدلجت نفسها بالجهاد ضد اليهود وحثت على قتالهم إلى يوم القيامة.

ويعد التبرؤ الشامل من هكذا عملية وحشية، لا نظير لها في تاريخ المقاومة الطويل والمجيد ضد الاحتلال الإسرائيلي، شاهد إثبات بالدليل القاطع على أن ذبح طفل رضيع بحد السكين، أياً كان لونه أو جنسه أو ديانة أبويه، ليس عملاً من أعمال المقاومة المشرفة، وفوق ذلك أن العقل الجمعي الفلسطيني المقاوم يرفض تلويث سجله الحافل بالبطولات الملحمية، بمثل هذه الفعلة النكراء.

وأحسب أنه لا يكفي التبرؤ من مثل هذه العملية التي راحت ماكينة الإعلام الإسرائيلي تعمل على الاستثمار فيها بكثافة، ولا حتى التشكيك بأن مرتكبيها ليسوا من الفلسطينيين، إبراءً للذمة ودرءاً للعقابيل، ومن ثم التزام الصمت حيال الخلفية الفكرية الموجهة لهكذا أفعال فادحة الضرر بصورة شعب ارتقى بكفاحه الوطني درجة حضارية عالية، ودفع بإسرائيل مؤخراً إلى شرنقة عزلة دولية خانقة.

وبما أن الشيء بالشيء يذكر، فإن علينا ألا نتجاهل حقيقة أنه عندما صمتت كثير من المرجعيات الدينية عن بعض الارتكابات الوحشية في العراق، وتسامحت مع مشاهد الذبح ومع كل تلك المقارفات الشنيعة باسم الإسلام والمقاومة الإسلامية، تغولت تلك الظاهرة الدموية الكريهة، وبدت كأنها السمة الغالبة على مقاومة الوطنيين العراقيين الأحرار النبيلة، حتى لا نقول إنها تحولت إلى وصمة عار أبدية في جبين القتلة من كل الطوائف والمذاهب والأعراق.

إزاء ذلك فإن المرء، وهو يحسب نفسه من أهل المقاومة أو من مريديها، يستشعر في قرارة ذاته أن المرور على تلك العملية المدانة مرور الكرام، وتجاهل خطر استفحال هكذا ذهنية عمياء، أو التغافل عن إمكانية نموها على الهوامش الضيقة، فيه تكبيت للضمير الوطني وإنامة للوجدان العام، إن لم نقل التخلي عن واجب الدعوة الملحة لاقتلاع مثل هذا النبت الشيطاني من عقول فتية ومحازبين يغررون بالجنة والحور الحسان.

ومما يشجع حقاً على ركوب هذا المركب الخشن، والمجازفة بالسباحة عكس تيار جارف تحرك سيله العرم جموع من الرعاع المتحرقين لإشفاء غليل الانتقام، أن المواقع الإلكترونية الرسمية وغير الرسمية لسائر جماعات المقاومة، بما فيها الجهادية والأصولية، التي طفتُ عليها باحثاً عن رجع صوت، لم تحتفل بهذه العملية غير البطولية، ليس خشية من ردود الأفعال الإسرائيلية الانتقامية كما أرجح، وإنما لاعتبارات تتعلق بالحرص على طهارة السلاح وأخلاقيات الحرب هذه المرة.

ومع أن إسرائيل اهتبلت هذه العملية المدانة على أوسع نطاق، وراحت على عجلة من أمرها، تعتمد المزيد من خطط التوسع والاستيطان، وتطلق قطاع المستوطنين لممارسة أرذل أشكال الثأر والانتقام، فإن ذلك كله يجب ألا يحرف بوصلة الرؤية عن موضعها الصحيح، وألا يسوّغ عملاً مستنكراً بكل المعايير، حتى وإن قارفت حكومة المستوطنين جنونها المطبق، وتمترست وراء هذه العملية لتبرير كل ما كانت تخطط للقيام به من فجور استيطاني وعدوان.

وحسناً فعلت السلطة الوطنية الفلسطينية، التي استنكرت هذه الفعلة بأشد العبارات وأبلغها رفضاً لذبح طفل عمره أربعة أشهر، حين دعت إلى تشكيل لجنة تحقيق مشتركة، لمعرفة الفاعلين والوصول إلى مرسليهم المتدثرين بعباءة قتال الكفار، وتقديمهم من ثم إلى المحاكمة، وذلك لسحب الذرائع من بين أيدي إسرائيل، بعد أن بادرت على الفور إلى توظيف صورة الضحية التي احتكرتها لنفسها منذ الحرب الكونية الثانية، واحترفت ببراعة كيفية البناء عليها.

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الجريمة النكراء التي ألصقت بنا كجريمة 11 سبتمبر (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الخميس 17 آذار / مارس 2011.
    لقد عبرت كلماتك ما يجوش في قلب كل عربي يعيش في الغربة وسط وسائل الأعلام التي جردتنا عن الأنسانية ، ووضعتنا درجة بعد الحيوانات الفترسه ..وكنا نراها على الشاشات بشكل دائم وفي كل مرة كانت تخرج الكلمات من افواه المذيعين والمذيعات كسكاكين تنخر في صدورنا..كما كنا نواجه اشنع الألفاظ من الجيران والأصدقاء والنوادي ألأجتماعية .وقررنا أن نلتزم في بيوتنا ، ونمتنع عن اجابة التلفونات .,هكذا عشنا ، ولا نزال اثناء وبعد هذه الجريمة النكراء التي فرضت علينا.وأثناء القداس في كنيستي وقف راعي الكنيسة يستنكر هذه الجريمة البشعة فوجدت نفسي أقف ، واعترض على كلام راعي الكنيسة ، وحاولت أن أخبرهم عن الحقيقة .وعندما رأني راعي الكنيسة منفعلا اجابني بأنه يمكني شرح ذلك اثناء تناول القهوة بعد الصلاة لآنه ممنوع لأي أحد من الكلام اثناء القداس ..وفعلا استرسلت في الحديث اثناء تناولنا القهوة .ولمكانتي في الكنيسة وجدت اقبالا لا بأس من الرعيةمن تفهم الموقف الصحيح .في الوقت الذي بدأ الكثير من الأمريكان يؤمنون بأن حادثة 11 سبتمبر المشؤمة هي من تخطيط كل من نائب الرئيس تشيني ، ووزير الدفاع المعزول رامسفيلد ، ونفذتها المخابرات الأمريكية والبريطانية والموساد .، والاسلام والمسلمون منها براءة