المناقشة الكبرى لأول مرة في التاريخ

تم نشره في الخميس 10 آذار / مارس 2011. 03:00 صباحاً

عشرات المرات دعت مؤسسات محلية إلى حوارات وطنية لم ترتق، للأسف، إلى مستوى المناقشة الوطنية ولو لمرة واحدة. الحوار الوطني المنتظر لو نضج لأول مرة في تاريخنا لا يحتاج أكثر من الوضوح الاستراتيجي والنضوج المعرفي والمسؤولية الوطنية. فثمة عناوين واضحة للحوار، أهمها شكل ومضمون الإصلاحات السياسية وبرنامج زمني لتنفيذها، وشكل ومستقبل العلاقة الأردنية-الفلسطينية، وشكل ومضمون الوظيفة الاجتماعية للدولة؛ وجميعها تحتاج إلى نقاش حول التشريعات وبناء قيم أيضا، فيما تبقى قضايا مثل الفساد، وآليات تشكيل النخب، وحدود دور المؤسسات الأمنية، مسائل ترتبط بتطبيق القانون وبالإرادة السياسية لا أكثر.

كل المجتمعات المتحولة تحتاج إلى مناقشة تاريخية فاصلة، تخلصها من قلق المصير؛ فالحوارات التي ترتقي إلى صفة المناقشة التاريخية هي جسر العبور الحقيقي، وهي محصلة صراع أفكار حقيقي يدور بين النخب وقادة الرأي والمثقفين ويدخل في إطارها حوار مؤسسات، وتصل إلى الشارع وإلى الناس العاديين أحياناً.

هكذا حدث في مطلع التسعينيات في الولايات المتحدة بعد الموت المفاجئ للاتحاد السوفيتي، حينما وجدت أميركا نفسها وحيدة على قمة العالم. وهي المناقشة التي خاضتها مراكز الدراسات والبحوث والجامعات والأكاديميون والنخب السياسية والقوى الاجتماعية ووسائل الإعلام، وخرجت بالأفكار والاستراتيجيات التي شغلت العالم منذ تلك الفترة. وقد حدث ذلك في فرنسا أكثر من مرة، آخرها في مواجهة زحف العولمة.

في الأردن، يقال إنه لا توجد حوارات سياسية أو اجتماعية حقيقية، بل سجالات وتنابز أحيانا، بمعنى أنه لم تبدأ المناقشة الكبرى بعد، رغم ما يثار من ضجيج، ببساطة لأن قيما كبرى في الحياة السياسية لم تحسم بعد لدينا، وفي كل مرة تعاد الأطروحات المركزية ذاتها تحت مسميات جديدة؛ مرة بالاختباء خلف مسميات مسروقة من مجال سياسي آخر من دون أي تكييف وطني أو محلي، ومرة خلف مسميات منحوتة من الخيال السياسي، والتي لا تعبر عن شيء أو عن سياسة فعلية تخدم الحاجة إلى التحديث والإصلاح.

منذ لجنة الميثاق الوطني في مطلع التسعينيات، مرت الحياة السياسية الأردنية بمحطات حوارية متعددة، كل مرة كان يروّج فيها للحوار الوطني من أجل تمرير صفقة سياسية ما من قبل الحكومات، وأحياناً تطلق تلك الحوارات وتتابعها مراكز قوى بعينها لتمرير مصالح وصفقات محددة، وهي بالكاد حالة من السجال تقتصر على بعض كتاب الصحف الذين يتبادلون الغمز واللمز من دون القدرة عن الإفصاح بشكل واضح عن حالة الاستقطاب السياسي الجارية، في أجواء غياب دائم للأحزاب وغربة واضحة للحركة الإسلامية عن المحتوى الاجتماعي المحلي، كما يغيب المجتمع المدني والجامعات والأكاديميون، وحتى النقابات المهنية.

وينال هذا الصمت أطرافا أخرى في المجتمع، بينما تحيا تنظيمات فاعلة أخرى عهد التنظيمات الإصلاحية في أواخر الدولة العثمانية؛ وأما الصمت الأكبر فيعم أرومة المجتمع الأردني وقاعدته الأساسية المتمثلة في المحافظات الأردنية، إلا أنه صمت من نوع آخر لا يعرف الصفقات السياسية ولم يمارسها.

نحن بحاجة إلى وفاق يحسم القيم السياسية الكبرى التي من دونها لا يمكن أن تُدار المناقشة الكبرى؛ وأهمها أن الإصلاح والتغيير والتحول الديمقراطي والأجندات بمختلف موضوعاتها يجب أن تصب في قوة الدولة الأردنية، وقبل ذلك أن يتعلم المجتمع المدني والحكومة معا وقبل الجميع ماذا تعني الدولة.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق