خيار الدّولة المدنيّة

تم نشره في الأحد 27 شباط / فبراير 2011. 02:00 صباحاً

لم يكن جسد الشاب التونسي محمد البوعزيزي، الذي احترق يوم السابع عشر من كانون الثاني (يناير) لهذا العام، غير عود الثّقاب، الذي أشعل الغابة البشريّة العربيّة. بسرعة البرق انتقلت النار إلى الشارع التونسي وانطلقت الثورة، التي لم تلبث أن امتدّت إلى مصر، وإلى مناطق عديدة في الوطن العربي الكبير. "الشّعب يريد إسقاط النّظام"، شعار جريء جرى تعميمه أيضاً، فبات صداه يتردّد في الفضاء العربي الفسيح. لقد ملّت الجماهير العربية وضعها البائس، من استمراء للذل والفقر والحرمان، ومن غياب للحريّة والعدالة حتى في حدودها الدّنيا، وكان لا بدّ من ثورة أو انتفاضة ما.

كان من الملاحظ أنّ مشروع الدّولة القطْرية العربية، قد استنفد أغراضه، فهذه الدّولة التي ولدت في العالم العربي بُعَيد حقبة الاستعمار مثّلت في بداياتها نوعاً من إعادة الأمل للشعوب العربية، وخاصّةً أنّها جاءت تتويجاً للنّضالات والتّضحيات، التي قدّمتها هذه الشعوب، لكنّها أي الدولة القطرية العربية، وصلت في نهايات القرن الماضي إلى طريق مسدود.

في الظّاهر كانت هذه الدولة القطرية، تتمتّع بوجود برلمانات للشعب، كما كانت تتمتّع بوجود أحزاب، لكنّ هذه البرلمانات والأحزاب لم تكن سوى أقنعة تتوارى تحتها السّلطة البوليسية المارقة بكل ما أوتيت من بطش وتنكيل.

في نهايات القرن الماضي أيضاً ثمّة عاملان فرضا نفسيهما بقوّة، ولمسنا آثارهما الكاسحة على الدولة القطرية، وتمثّلا ببروز ظاهرة القطب الواحد (الولايات المتّحدة)، التي أصبحت تدير العالم وتملي عليه رؤيتها. أمّا العامل الثاني فقد تمثّل في العولمة، والدّور الجديد الذي أصبحت تقوم به الشّركات متعدّدة الجنسيّات، من تحكّم بالدّول إلى إدارة لسياساتها. وإذا كان العامل الأوّل قد زاد من تبعيّة الدولة القطرية العربية لأميركا، فإنّ العامل الثاني قد جعل الدّولة القطرية العربية، بمثابة ألعوبة بين يديّ صندوق النّقد، والبنك الدّوليّين.

نتيجةً لكلّ ما سبق تفاقمت الأمور في الدولة القطرية العربية، واستفحلت فيها المشاكل، حتى باتت تقض مضجعها. لقد تمدّد الفقر فيها تمدّداً مرعباً، كما أصبحت المجتمعات العربية تعاني من عدد كبير من المشاكل: الغلاء الفادح للأسعار، البطالة، الرشوة والفساد. ومما زاد الطين بلّة ما لجأت إليه الدولة القطرية من تطبيق أمين لتوصيات صندوق النّقد والبنك الدّوليّين، وخاصّةً ما يتعلّق بالخصخصة. لقد حفرت الدولة القطرية العربية قبرها بيديها وهي تبيع مؤسّساتها، وفي واقع الأمر فقد تقوّض كيانها، وأصبحت مجرّد هيكل.

لقد وقع الزّلزال الكبير، أو تسونامي الثورة العربية. لقد تهاوت الأنظمة في كلّ من تونس ومصر، وثمّة دول عربية كثيرة تقف فيها الثورة مرشّحة للانتصار، لكنّ السّؤال المهمّ الذي يطرح نفسه بقوّة، وينبغي أن نجيب عنه اليوم قبل الغد، هو: ماذا عن المستقبل؟ وإلى أين تسير بنا الأمور؟؟
ثمّة أوهام كثيرة تبثّها لنا البنى التقليدية للمعارضة العربية -في الواقع الأنظمة العربية نخرت هذه المعارضة طوال الأعوام الماضية وشرذمتها- ومن هذه الأوهام الرغبة في إقامة الدولة الدينية تارةً، أو على الطرف النقيض إقامة الدولة العلمانية. ومثل هذه الحلول يمكن لها أن تبدّد رياح الثورة وتفرغها من المحتوى.

من بين هذه الخيارات ثمّة خيار وحيد قابل لاتّفاق الجميع حوله، وقابل للحياة، ويتمثّل بإقامة الدولة المدنيّة، بكلّ ما فيها من حريّات، وبكل ما فيها من تعدّدية وديمقراطية وانفتاح على تجارب الشعوب ومساواة بين المواطنين واحترام للرأي والرّأي الآخر، وهذا يتطلّب وضع دساتير جديدة بدل تلك الدساتير القديمة، التي أكل عليها الدهر وشرب.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الى الاخ ابور ائد الصيراوي (مواطن غير موافق)

    الأحد 27 شباط / فبراير 2011.
    مش فاهم الاخ الصيراوي كأنك عايش خارج الكوكب ؟ كيف هذا التحليل الي طلعت فيه
    الشعوب لوحدها قامت وعملت ثورات شو دخل الامريكان بهذا الموضوع
    تحليلك اخي الكريم غير صحيح نهائيا وشكرا لك
  • »لانظام يعلوا على شرع الله (العرار)

    الأحد 27 شباط / فبراير 2011.
    إن المطالبة في دولة مدنية هو القصور عن الإرتقاء إلى الدولة الأسلامية, إما جبنا من أعداء الإسلام أو عدم القدرة على إستيعاب الإسلام وقد كان هذا العامل ظاهرا في الثورات باسم الإسلام ووصلت إلى الحكم وتخبطت خبط عشواء ولم تنجح بالوصول إلى بر الأمان بالناس. السلطة النابعة عن إرادة مستقلة ومن الشعب هي السلطة الناجحة, لأن الشعب لن يظلم نفسه.
  • »مصالح امريكا تتطلب ثورات عربية (ابو رائد الصيراوي)

    الأحد 27 شباط / فبراير 2011.
    يخطىء من يظن ان هذة الثورات التي تعصف بالحكام العرب واحدا بعد الاخر هي كلها بعيدة عن ما تريده امريكا تحديدا فمن الواضح ان ادارة اوباما ومعه كلينتون وصلوا الى قناعة ان بالامكان المحافظة على مصالح امريكا بالمنطقة عن طريق شعوب المنطقة ذاتها وليس عن طريق زعماء ينهبون ثروات بلدانهم ويذيقون شعوبهم الذل والهوان.

    تلك قناعة اتت بعد دراسات قامت بها دوائر امريكية فلقد اتضح لامريكا ان شعوب المنطقة تثمن القيم والحياة الامريكية وانها اي الشعوب العربية لا تمانع من الشراكة مع امريكا على اسس( خذ واعطي). واتضح لهم ايضا ان الشعوب العربية تكره امريكا لسبب واضح وهو دعمها لزعمائهم الدكتاتوريين ودعمها الاعمى لاسرائيل .

    وهناك من يقول ان ادارة اوباما وخاصة وزيرة خارجيته كلينتون شعرت ان اسرائيل تتجه الى تدمير نفسها بتشددها برفض السلام مع جيرانها العرب وان ندائها للاسرائليين للتنبه الى هذا الخطر الذاتي المدمر لم يلقى اذان صاغية من الاسرائليين واصبح التعامل مع الحكومات الاسرائلية صعب للغاية بوجود كونغرس داعم لوجهات النظر الاسرائلية بحيث يعطل كل محاولات الضغط على حكام تل ابيب , وظهر ذلك بعد ان طلبت امريكا من اسرائيل تجميد الاستيطان ولم تفلح بذلك. حتى وصل الامر بمبارك مصر ان يتجاهل اراء ومطالب الامريكان معتمدا على ان اسرائيل يمكنها حمايته من الغضب الامريكي وتامين ما يريد من امريكا عن طرق اسرائيل.

    وهنا يقال ان كلينتون ومن حرصها على بقاء اسرائيل ارادت ان توجه رسالة الى حكام اسرائيل مفادها ان لكم باع طويل بالتاثير على الكونغرس مما يشل حركتنا ولكن سوف نخلق لكم وضع غير مريح يجعلكم تسرعون بالتفكير الى انهاء الصراع العربي الاسرائلي وتسعون الى السلام لتجاوز الدمار الاتي مستقبلا لدولة اسرائيل.

    ومن ذلك المنطلق رحبت امريكا ومن ورائها كل الدول الاوروبية بثورات الشعوب العربية لازالة انظمتها المريحة جدا لاسرائيل لخلق واقع جديد يقلق الاسرائليون وينقذ اسرائيل من ان تدمر نفسها كما يحدث حاليا بعد ان اصبح من الواضح ان امتلاك اية قوة عسكرية تملكها اسرائيل ليس كافيا لحمايتها من الهزيمة والزوال وذلك كان شديد الوضوح بعد حرب لبنان 2006 . فلم تعد الدبابات والطائرات والقنابل الذرية التي تملكها اسرائيل وامريكا كافية ومانعة من ان تمطر اسرائيل بكم هائل من الصواريخ الرخيصة الثمن والتي ان سقطت على المدن الاسرائيلية كفيلة بان تجعل الشعب الاسرائلي يملاء مطارات اسرائيل هربا من الموت وخاصة انه لم ياتي الى ارض فلسطين الا سعيا وراء حياة اقتصادية افضل من تلك التي يعيشها في بلده الاصلي.

    والمتابع لردود فعل حكام تل ابيب اليوم وخوفهم الكبير بعد زوال نظام مبارك يمكن ان يدعم هذه النظرية بكل تاكيد.