هاني البدري

القمة العربية المقبلة

تم نشره في الثلاثاء 22 شباط / فبراير 2011. 03:00 صباحاً

لست أدري ما الذي يخطط له مسؤولو الجامعة العربية الآن في التحضير لما يسمى بالقمة العربية الثالثة والعشرين التي سيستضيفها العراق لأول مرة بعد واحد وعشرين عاماً، انتهت باحتلالٍ عربي لشقيق عربي، وانشقاقٍ ماتزال الأمة تدفع ثمنه غالياً.

عشنا قمة العمل المشترك، والتضامن، والحب الأزلي، ووحدة الصف، وعشق فلسطين.. لكن ماذا بعد؟! تحت أي شعار يمكن للقمة العربية أن تجتمع؟ قمة الصحوة أم قمة المفاجأة، أو لعلها تكون قمة عربية تعقد تحت شعار قمة الصفحة الجديدة! أمَا أنا فأخالها ستُعقد تحت شعار "فهمناكم".

كعادتها.. الجامعة العربية تُحَضِرُ لجدول الأعمال منذ أن تقلب صفحة القمة السابقة، وتُجَهِزُ معها تفاصيل البيان الختامي الذي سيتضمن، حتماً، إدراك الزعماء العرب "لخطورة المرحلة الراهنة، وللتحديات الخطيرة التي تعصف بوحدة الأمة، ودعوتهم لرص الصفوف والسمو على الجراح، وتجاوز الخلافات لصالح مستقبل عربي مشرق..".

أسأل معكم: ماذا سيحمل البيان رقم واحد من قمة العرب إلى شعوبها؟ أهو التأكيد على وحدة الدم والمصير المشترك وجدوى العمل العربي، والتأكيد على العلاقات الأخوية المتينة وضرورة تمتين وشائج المحبة والتواصل؟ أما من لغة جديدة سيكتشف المسؤولون العرب أنها أصلح وأعمق وأوعى وأصدق في توجهها لشعوبها من تلك التي أفنينا عمرَنا ونحن نَجتَرُها نهاية كل قمة؟ ألا تعتقدون أن القمة القادمة ستكون فرصة طيبة للقادة  ليكتشفوا أن بعضاً من السادة الذين يلازمون المقاعد في الصفين التاليين لمقاعدهم، هم وشلة أخرى من المحيطين الملازمين أبداً، هم من نقلوا الصورة دوماً بألوان زاهية، وبشكل مغاير للواقع الذي تعيشه شعوبهم؟
أينما ذهبت في العالم العربي ستجد ذات الوجوه البراقة والبدلات "السِينْيِه" وربطات العنق التي تفوح منها رائحة ترف البطانة، وعمليات تجميل التقارير.. وأينما ذهبت ستجد من وَظِيفتُهُ فقط تذكيرَ الداخلين الى الزعيم بضرورة عدم التحدث بما يُعَكِرُ صفوه.. فهو "مش ناقص".

أعود للقمة العربية المقبلة التي رتبت قبل البوعزيزي وخالد سعيد والفيسبوك ومعركة الجمال والحمير.. وتأكد عقدها على أرض العراق، تكريماً لعودته لدوره العربي وتأكيداً لمكانته. ماذا عن ميدان التحرير.. أليس جديراً بعقد قمة عربية حقيقية على أرصفته، حيث تأخذ المناقشات منحنى آخر، وبُعداً أكثرَ عُمقاً ونَفعاً، حيث كانت الخيام والبطاطين التي تقاسم دفئها الشباب المصري، وحيث كانت الإرادة الحقيقية.
أليست إرادة الشعوب كفيلة بأن تكون بنداً من بنود جدول أعمال القمة؟ ثم أليس حَرِيا بالقمة المقبلة "إن تمت" أن تُضَمِن جدول أعمالها مناهج الدرس المصري والتونسي على بساطتها وصدقها.

وإلا فماذا.. إسرائيل والقضية المصيرية التي لم تُفلح كلُ القمم في تغيير واقعها.. وماذا عن أسطوانة وحدة السودان وعروبته؟! انتهى المشهد وبات السودان سودانين، ولعل اليمن السعيد يواجه أيضاً خطر انشطار متجدد.

القمة اليوم في  حل من مناقشة كل القضايا السياسية.. من أزمة الجزر المحتلة إلى سرطان لبنان المزمن وحتى الصحراء الغربية.

جدول الأعمال ينبغي أن يحاكي قضايا وهموم وأوجاع الناس، فلعلها إن تخلصت من هذه الأوجاع التاريخية التي سَبَبُها الظلم والفساد وشلل البطانة وذوبان الخاص بالعام، لعلها إن تخلصت من آلامها استطاعت بإرادةٍ حقيقية أن تحل أزماتها السياسية المستعصية، ولعلها تُغَيرُ واقع مسرح العرائس الذي نعيش، والذي تُحَرِكُنا فيه قوى غربية وشرقية بأصابع ناعمة كلاعبي "الماريونيت".

في أول قمة اقتصادية عربية بالكويت ذُكر الإنسان العربي لأول مرة في تاريخ القمم على متن شعار ومحتوى القمة، وبعد أن انتهينا عادت مؤسسة القمة إلى سيرتها الأولى في فضفضة البيانات.
عندما بدأت مؤسسة القمة قبل خمسة عقود، بإصدار ذات البيانات العقيمة، كان شباب ميدان التحرير ورواد الانترنت ومواقع التواصل والنشطاء لم يولدوا بعد، بل لعلهم رضعوا بيانات القمم العربية مع حليب أمهاتهم، وتَجَرَعوا حسرات التراجعات والتنازلات و"السقطات" في مراهقتهم وعلى أعتاب شبابهم. هم الآن في كل ميادين الحب العربية يثورون لأنفسهم ولمراهقتهم ولشباب آبائهم الذي ضاع، وللحكايات القديمة التي انطلت على أجيالٍ قبلهم، فلم تَستسغها مداركُهم وهم في ربيع الحلم، والأيام المُدججة بالتواصل اللامحدود والفيسبوك، و"تويتر" الذي قضى فيه مسؤولون كبار فترات مسؤوليتهم وهم يستعرضون عضلاتهم بإمكانية التواصل مع الكل.. لكنهم لم يتواصلوا إلا مع أنفسهم.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »......... (نور)

    الثلاثاء 22 شباط / فبراير 2011.
    القمة العربية المقبلة سوف تكون للتعارف !!!!!!