ياسر أبو هلالة

انتهى عرس الثورة في مصر وتونس

تم نشره في الاثنين 14 شباط / فبراير 2011. 02:00 صباحاً

كنت معلقا بين السماء والأرض في طريقي إلى تونس في غضون الساعات الحاسمة التي سبقت سقوط الديكتاتور حسني مبارك. كنت أتوقع رسائل سارة عبر البلاك بيري، سواء في الفيسبوك أم توتير أم المواقع الإخبارية. صدمت وشعرت بالخيبة، فالمسافة التي تفصل قارتين لم تكن كافية لإعلان سقوطه بعد صلاة الجمعة. كنت أشعر أنه يحفر قبره عميقا، ويطيل الرواية الملحمية، غير أن ذلك لم يمنع من تسرب الملل ولا أقول الإحباط. في تونس بدا مشهد السقوط مهيبا. التعبير العفوي بإطلاق زوامير السيارات ومظاهر البهجة كانت تقول لقد فعلتها تونس.

في حقبة الثورة نكون كمن يحلق في السماء، بعد نجاح الثورة تكون الطائرة قد حطت على الأرض. إنها حفلة العرس التي توثق وتعلق صورها ويحتفى بها. لكنها على بهجتها تنتهي سريعا وتظل ذكرى جميلة حافلة بالوعود. العروس تخلع ثوب الزفاف الأبيض وترتدي ثياب المطبخ (تماما كما يرتديها العريس!)، ومسؤولية إدامة الحياة في البيت من ماء وكهرباء ونظافة وأولاد وتعليم. لن يكون بيتا ملائكيا، سيكون الكثير من الصراخ والانفعال والمشاكل.

لم يخب أملي في تونس بعد انتهاء حفلة العرس. الكل فخور بما أنجز، من الشرطي في المطار إلى السائق وصولا إلى النخب. وفي المقابل ثمة قلق وهواجس. فالثورة لم تبن البديل بعد، سواء كان اقتصاديا أم سياسيا. فالقضاء على الفاسدين لا يعني انهمار الاستثمارات، والتخلص من حزب التجمع الشمولي لا يعني ازدهار الأحزاب التعددية. تحتاج تونس إلى وقت وصبر وجهد حتى تقدم بديلها.

كما المولود المنتظر لا تعرف ملامحه، لكن بالقطع فإن حال تونس اليوم، كما مصر، أفضل جذريا من السابق. وكل الإشكالات الناجمة عن التغيير ما هي إلا آلام الجراحة التي يعاني منها من استؤصل منه ورم سرطاني لو بقي لقضى عليه. المشكلة اليومية للمواطن التونسي –كما المصري- الأمن. فأجهزة الأمن التي كانت عنوانا للتسلط وانتهاك حقوق الإنسان عادت لدورها الطبيعي، لكن بعد أن فقدت هيبتها. فضلا عن وجود مجموعات إرهاب حقيقية في جهاز الأمن. وغياب الهيبة المحمود بقدر ما أفاد الناس والنخب استغله المجرمون، سواء من أطلق سراحه أم كان طليقا.

لم تعد تنطلي على الناس المقايضة السخيفة إما الأمن وإما الديمقراطية. فالطغيان قد يشعرك بأمن مؤقت وسط شعور مقيم بالخوف والرعب. والأمن في النهاية ليس جهازا بل حياة في البيت والعمل والشارع. ولا يتحقق بالسطوة والإرهاب، يتحقق بالعدل والحرية وسيادة القانون.. والثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع.

لن تقتصر الجاذبية التونسية على الثورة، ستتقدم تونس العالم العربي بقوة الجاذبية في بناء الدولة وإدارتها. وهي ستكون بكل المقاييس أفضل من النظام الهارب إلى غير رجعة. لقد خسرت الشعوب العربية، خلال عقود، بفعل الأنظمة الفاسدة المستبدة كثيرا من مواردها وإمكاناتها وطاقتها. ومن الظلم أن نطالب الشعوب المستباحة أن تصلح في أيام أو شهور ما أفسده دهر الطغيان.

yaser.hilila@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »بارك الله في مصر وفي تونس (حمزة احمد ابوصليح)

    الاثنين 14 شباط / فبراير 2011.
    نعم ، ان ما فعله شباب مصر وتونس سيبقى درسا ينثر عبيره للجميع.
    وستكون مصر الجديدة وتونس الجديدة مسرحا للتقدم والازدهار ، فقد تخلصوا من اهم عقبه للاصلاح فماذا بقي ؟! فلا يوجد شيء يعطلهم عن التقدم... بارك الله في مصر وفي تونس وجعلهما الله ذخرا للاسلام واهله
  • »لا زال الخوف قائما. (ابو رائد الصيراوي)

    الاثنين 14 شباط / فبراير 2011.
    مع ان جميع العرب يشعرون بالفرح جراء تخلص دولتين عربييتين من نظامها الفاسد الذي افقر البلاد والعباد الا ان الهواجس لا زالت تطغى على التفاؤل وخاصة بما يتعلق بمصر ,

    فلا زالت غيوم كثيرة تحيط بالوضع المصري كونه اصعب من ان تكون ثورة شعبية تريد التغيير وهناك عدو غادر بداء بالفعل العمل لاحباط نتائج ثورة شباب مصر , ذلك العدو الذي ضحى باحتلاله لسيناء بما فيها من موارد ضخمة مقابل ان يخرج اكبر واقوى دولة عربية من المواجهه معه وذلك ثمن كبير دفعته اسرائيل,

    الخوف يكمن بالجيش المصري ومع ان الجماهير المصرية منحته ثقتها بعد ان تنحى مبارك وكلف الجيش بتولي ادارة البلاد فان المنطق يقول ان ذلك الجيش الذي بناه نظام مبارك بمساعدة الولايات المتحدة والذي كان جزاء من النظام ولم يحاول مرة واحدة ان ينقلب على النظام هناك شكوك باقية في الرؤوس وتساؤل ملح , مالذي يضمن ان يفي الجيش بتعهداته للشعب المصري وما يدرينا انه لن يبقى بالسلطة او على الاقل ان يبقي رجال نظام مبارك بالسلطة؟؟ سؤال لا شك انه يدور بمخيلة الكثيرون .

    من منطلق ان ذلك الجيش وعلى الاقل قيادته العليا تم تدجينها وتغيير عقيدتها العسكرية على مدى ثلاثون عاما وانها عاشت على المعونات الامريكية السخية طوال الفترة الماضية وانها ستخسر كل ذلك لو حاولت تغيير الوضع المريح لامريكا واسرائيل الذي كان من اهم عوامل الرضى الاسرائيلي عن مبارك.

    هي مخاوف مشروعة لكل من يخاف ان تذهب تضحيات شباب مصر سدى ربما تمضي ثلاثون عاما اخرى قبل ان تتاح فرصة اخرى لهؤلاء الشباب.
  • »نهديدات مبارك الامن ام الاستقرار (احنرام)

    الاثنين 14 شباط / فبراير 2011.
    كما قلتها المقايضة بين الامن والديمقراطية لا يوجد امن بدون عدل ومساواة وخقوق حتى لو صمت المناس الى حين فلن يستمر طويلا والدروس امامنا مصر وتونس